توقيت القاهرة المحلي 10:01:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشعوذة والمجتمع اليائس

  مصر اليوم -

الشعوذة والمجتمع اليائس

بقلم:أسامة غريب

لم أعرف شيئًا عن الطبيب الذى مات مؤخرًا إلا بعد أن مات. اتضح لى أنه كان شهيراً وأن الناس جميعاً يعرفونه ويهتمون بسيرته وفيديوهاته من زمان. ما قرأته عن أساليبه فى العلاج التى كان يدعو لها لم يكن مفاجئًا أو صادمًا، فقد تعودنا على اعتناق الخرافة وإفساح الطريق للدجل ومهاجمة كل من ينبهنا أو يأخذ بأيدينا نحو نور العلم. لا يوجد ما يُدهش فى ذلك، فنحن نعيش فى مجتمع تملأ حوائط شوارعه ومبانيه، خصوصاً فى الأحياء الشعبية إعلانات بدائية عن فلان الراقى الشرعى الذى يعالج المس والسحر والربط إلى سائر الأمراض المرتبطة بالجان والعفاريت. الناس تؤمن بالعلاج بالرقية الشرعية وبول البعير، ولا سبيل إلى التأثير فى معتقداتهم التى يربطونها بالدين.

كان مجتمعنا خلال الأعوام السبعين الماضية نهبًا لقوى تقدمية تدفعه للأمام، مع قوى تخلفية تدفعه للوراء، وكان الخطان يتقاطعان أحياناً ويتنافران أحيانًا أخرى. كنا نشاهد بالتليفزيون برنامج عالم البحار وبرنامج جولة الكاميرا وكانا يقدمان مواد علمية مصورة بطريقة جذابة، وفى الوقت نفسه كنا نشاهد برنامج العلم والإيمان الذى كان يستعين بنفس الأفلام الواردة إلى التليفزيون.

كان العالم حامد جوهر والمذيعة هند أبوالسعود يأخذان المواد من مكتبة التليفزيون ويقدمان المعلومة المفيدة والمسلية، وكان مصطفى محمود يأخذ المواد نفسها ويربطها بالأفكار المتشددة فى اعتساف واضح لكل ذى عينين.. ومع ذلك فقد طوى النسيان «عالم البحار» و«جولة الكاميرا»، بينما عاش فى الوجدان برنامج «العلم والإيمان» الذى كان يؤكد أن الصرصار يمشى على الحائط والضفدعة تنط فى الماء والحصان يقفز فوق الحواجز.. ثم تأتى «سبحان الله» من المذيع الذى يقدمونه لنا باعتباره عالِمًا بينما هو أديب من المستوى المتوسط.. كل هذا فى دولة العلم والإيمان برعاية الرئيس المؤمن الذى رعا الخرافة واحتضن المشعوذين قبل أن يغضبوا عليه ويقتلوه!.

عندما ضربنا وباء الكوفيد وشاهدنا فى برنامج تليفزيونى يقدمه مذيع شهير رجلًا طويلًا عريضاً يقدم للناس العلاج بعيدًا عن العلم وما يسببه من وجع دماغ.. كان العلاج هو الشلَوْلَو. لم يكن الرجل ذو الهيئة المهيبة يهزل، ولم يكن المذيع المفتخر يقدم فقرة كوميدية.. كان الهزل والهراء يقدَمان للناس بمنتهى الجدية، ولا أعلم عدد الذين طاوعوا رجل الشلولو وامتنعوا عن أخذ اللقاح، لكن ما أعلمه أن مستقبلنا فى خطر خاصة وأن تدهور التعليم وانهيار الخدمات الصحية تجعل الناس تستسلم للتخاريف بسهولة وتمضى مع المشعوذين على أمل الشفاء الذى لا تقدمه المستشفيات!. ولا يجب أن نتجاهل طابورًا من المرضى يذهب فى رحلات يومية إلى مرسى مطروح والواحات للحصول على بول الإبل، وأنا شخصيًا أعرف كثيرين من دوائر معارفى يفعلون ذلك، والمصيبة أنهم فى غالبيتهم متعلمون.

كانت لنا جارة من قديم الزمان تقيم من وقت إلى آخر زارًا فى بيتها وكنا نسعد بالهيصة والزمبليطة فى يوم الزار وكان أهالينا يتندرون على الجهل والخيبة. اليوم أصدقاؤنا وجيراننا هم الذين يتبعون طبيبًا يعالج الأمراض الصدرية بالتدخين!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشعوذة والمجتمع اليائس الشعوذة والمجتمع اليائس



GMT 07:58 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

نفير الجلاء

GMT 07:42 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

المفاوضات والحِرمان من الراحة

GMT 07:40 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

حروب المياه الخانقة

GMT 07:36 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

من طموح الشاه إلى مشروع الملالي

GMT 07:19 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

ليبيا بين توحيد الميزانية والنَّهب الهائل

GMT 07:13 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

طوكيو ــ بكين... إرث الماضي وتحديات المستقبل

GMT 06:44 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

مصر اليوم فى عيد!

GMT 06:42 2026 السبت ,25 إبريل / نيسان

قيادة مسؤولة فى زمن الأزمات

سيرين عبد النور تتألق بالفستان الأسود بإطلالات تجمع الكلاسيكية والجرأة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:21 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الأهلي يتعاقد مع "فلافيو" كوم حمادة 5 سنوات

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 14:56 2018 الثلاثاء ,25 كانون الأول / ديسمبر

ديكورات مميزة ومثالية لاستقبال أعياد رأس السنة الجديدة

GMT 11:16 2018 الجمعة ,03 آب / أغسطس

طريقة إعداد مانتي تركي باللحم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt