توقيت القاهرة المحلي 23:19:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثقافة العنف بعد أحداث غزة

  مصر اليوم -

ثقافة العنف بعد أحداث غزة

بقلم - مصطفي الفقي

لابد أن نسجل هنا أن أحداث غزة الدامية سوف تحتل مساحة واسعة فى الوجدان العربى المعاصر، فالفظائع التى جرى ارتكابها والبيوت التى جرى هدمها وعدد كبير من الضحايا من الأطفال والنساء كل ذلك يؤشر إلى بقع سوداء فى الذاكرة الجمعية لا للعرب وحدهم، ولكن لكل من يملكون حسًا إنسانيًا أيضًا، ونحن هنا لا نناقش قضية المنتصر والمهزوم أو الغالب والمغلوب، ولكن جوهر القضية والآثار التى تركتها تلك الأحداث والتى سوف تظهر بالتأكيد لدى الشعب الفلسطينى الباسل ولو بعد سنوات، ولقد أدركت الأجيال الجديدة من الأطفال الفلسطينيين أن هناك من كان يستهدف أرواحهم ويستحل دماءهم ولا تردعه قوة ولا يوقفه سلطان، ولاشك أن هناك جروحًا غائرة محفورة فى وجدان الملايين من الشعب الفلسطينى الذين عاشوا تلك الأحداث الدامية، وفقد كل واحد فيهم أخًا أو أختًا بحيث تظل الأزمة تحرك وجدان الشعب لعشرات السنين القادمة، وأنا شخصيًا أدهش للأساليب الممنهجة التى يقوم بها جيش الاحتلال ضد أصحاب الأرض، وهو الذى كان يجب أن يدرك أن العنف لا يولد إلا العنف وأنه يزرع فى صدور الفلسطينيين وغيرهم ممن شهدوا المذابح وعاصروا أحداثها البشعة ما يدفعهم إلى أن يتحولوا إلى وقود دائم للعنف ضد هذه الدولة العنصرية العدوانية مالم تصل مع الفلسطينيين إلى حل دائم وعادل يستعيدون به وطنهم ويستردون حقوقهم، وأنا أتوقع أن استمرار المأساة الفلسطينية على ما هى عليه ودون الوصول إلى حل عادل بنية صادقة، سوف يفتح أبواب الإرهاب لا فى المنطقة العربية وحدها، ولكن فى مناطق مختلفة من عالم اليوم، فالعنف والقهر والظلم الواضح سوف يؤدى فى مجمله إلى شحنات من الغضب الكامن لدى الأجيال القادمة بما يجعل الصراع مستمرًا والعنف متواصلاً دون توقف، ولعلى أشير هنا إلى ملاحظات ثلاث ترتبط باتساع دائرة العنف والدخول فى مرحلة ثورة اليأس إذا جاز التعبير:

أولاً: إنه لا يوجد ضمان لاستقرار الشعوب وسلامة الأوطان إلا بالقناعة الكاملة لدى جميع الأطراف بأنها استردت حقوقها المشروعة، أو على الأقل الجزء الأغلب منها مع تنازلات متبادلة، فالسلام الحقيقى هو الذى يقوم على اقتناع كل طرف أنه قد حقق جزءًا من أهدافه ولا يقوم السلام أبدًا أو يستمر معتمدًا على الشعور بفرض الأمر الواقع، وقهر إرادة الطرف الآخر، فألمانيا التى خرجت من الحرب العالمية الأولى بهزيمة واضحة هى ذاتها ألمانيا النازية التى عادت إلى اجتياح الدول الأوروبية الأخرى انتقامًا لتلك الهزيمة السابقة ورفضًا للسلام الهش الذى لم يصمد طويلاً وانهار أمام نزعة عنصرية دفينة حمل لواءها قادة الرايخ الثالث مما أدى إلى اشتعال الحرب العالمية الثانية، وضياع عشرات الملايين من الأرواح، وتدمير المدن وتحويل العالم فى ذلك الوقت إلى ميادين قتال وساحات معارك.

ثانيًا: إن السلام الذى لا يقوم على العدل لن يكون سلامًا طبيعيًا فى أجواء صحية تسمح له بالاستمرار والازدهار، فالسلام القائم على فرض الأمر الواقع ونتيجة انعدام التوازن بين الأطراف هو سلام محكوم عليه بالانهيار فى أى لحظة، وهو أقرب إلى حالة السكون المؤقت منه إلى حالة السلام الدائم، ويجب أن نكون واضحين بالقول إنه يستحيل إنهاء مقاومة الشعوب للاحتلال دون وجود ركائز لسلامٍ عادل ودائم، فالأمل هو سماد النبات الطيب للسلام الموعود، وواهم من يتصور غير ذلك.

ثالثًا: إن القضية الفلسطينية متشابكة الأطراف معقدة التركيب، لأن الحركة الصهيونية ظلت لأكثر من قرن ونصف تحفر فى بئر اليأس وتزرع خطاب الكراهية وتشيد أسوار العنصرية والتعصب حتى قضى الاحتلال الإسرائيلى على كل بارقة للأمل، ودمر بشكل وحشى كل احتمالات السلام المنتظر، وتناسى الجميع أن الشعب الفلسطينى الباسل يعيش بالأمل ولا يستسلم لليأس مهما طال الزمن، ولذلك فإننا ندعو إلى تضافر الجهود الدولية والإقليمية للاقتراب من استعادة زخم التفاوض من أجل حل واحدة من أعقد المشكلات الدولية المزمنة التى طال عليها الزمن وتعقدت بسببها الأمور، وتتحمل الولايات المتحدة الأمريكية بقيادتها الحالية التى يرأسها دونالد ترامب مسئولية تاريخية بعد حرب غزة المروعة للبحث عن مخرج لما نحن فيه ووضع حدٍ حاسم لإنهاء مأساة الشعب الفلسطينى دون السعى لتهجيره وانفصاله عن أرضه التاريخية.

.. هذه ليست رسائل للغضب بقدر ما هى دعوة لصحوة يحتاجها العقل ويقظة ضرورية للضمير ووضع حدٍ لمعاناة أطفال فلسطين، وإيقاف نزيف الدم الذى يتدفق فى أنحاء الشرق الأوسط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثقافة العنف بعد أحداث غزة ثقافة العنف بعد أحداث غزة



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt