توقيت القاهرة المحلي 01:43:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثورات الربيع العربي والقضية الفلسطينية

  مصر اليوم -

ثورات الربيع العربي والقضية الفلسطينية

بقلم - مصطفي الفقي

لقد كانت أحداث الربيع العربي كاشفة للعوار الذي أصاب كثيراً من النظم في المنطقة فهبطت تيارات سياسية وصعدت أخرى وفتحت ملفات عدة لم تكن متاحة للمواطن العربي العادي.

يثور الجدل من حين لآخر بين خبراء السياسة المعاصرة خصوصاً في دول الشرق الأوسط حول جدوى أحداث الربيع العربي من حيث الأسباب التي أدت إليها والملابسات التي ارتبطت بها والنتائج التي تمخضت عنها، ويبقي السؤال الكبير حول مجمل تلك الثورات موجزاً، وللإجابة عن السؤال الكبير هل كانت تلك الأحداث نعمة أم نقمة؟ خصوصاً أننا ننظر إليها الآن من بعيد بعد سنوات من وقوعها وتطورات جرت بعدها وانتكاسات لحقت بها على نحو أدى إلى انقسام الآراء بشكل حاد بين مؤيد وداعم لها وبين رافض ومعترض عليها، لذلك يحسن مناقشة تلك الأحداث الكاشفة والمنشأة في وقت واحد للتعرف إلى ملامح المستقبل في ضوء الماضي والحاضر معاً ويمكن التعرض لملامح تلك الأحداث من خلال الملاحظات التالية:

أولاً: كان العالم العربي هادئاً إلى حد الركود متعايشاً مع أوضاعه التي لم تكن في أفضل أحوالها حيث استقرت النظم في أقطارها على النحو التي هي عليه منذ سنوات، بن علي في تونس ومبارك في مصر والقذافي في ليبيا وبشار الأسد في سوريا وعلي عبدالله صالح في اليمن، وكل يغني على ليلاه في ظل تسريبات قوية عن مخططات أميركية لتغيير شكل المنطقة بسبب الأطروحات التي جاءت بها إدارة أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، حيث بدا واضحاً الانحياز الأميركي للمشروع الإسلامي الذي يقوم على استعادة مظاهر الدولة العثمانية في المنطقة العربية بالتركيز على تركيا ومصر، حيث تكون الأولى هي مركز الحكم والثانية هي مركز الشرعية المستمدة من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، وواقع الأمر أن ذلك المشروع كان مستتراً وهو الذي تم إجهاضه بعد فترة حكم الإخوان عام 2013 والتحولات الجذرية التي تمت بعد ذلك.

ثانياً: عبر كثيرون عن ملاحظة واضحة وهي أن أحداث الربيع العربي تفجرت في أقطار ذات نظم غير وراثية ولو من حيث الشكل فقط، إنما النظم الملكية فقد ظلت بمنأى عن لهيب تلك الأحداث وانتشارها وظلت مستقرة نسبياً على رغم تنامي المد الإسلامي في بعضها ولكن بالطرق السلمية مثلما حدث في الكويت والمغرب، أي إن المنطقة العربية قد شهدت تطوراً نوعياً لم يكن مألوفاً من قبل بتفجر الاضطرابات الثورية والانتفاضات الشعبية في معظم العواصم العربية باستثناء الملكيات التي ظلت على استقرارها، بخاصة أن الأوضاع الاقتصادية فيها ساعدت على الابتعاد عن الانتفاضات المفاجئة أو الاضطرابات الشاملة.

ثالثاً: في تونس عندما أحرق (بوعزيزي) نفسه احتجاجاً على التفاوت في المعاملة وازدواجية المعايير والهوة الطبقية الواسعة، كانت هي الشرارة الأولى التي اندلعت لكي تنتشر بالعدوى المباشرة في الدول العربية الأخرى بدءاً بمصر مروراً بسوريا وليبيا وصولاً إلى اليمن على نحو أدى إلى هبوب رياح عاتية اجتاحت العالم العربي واقتلعت بعض نظمه التي جثمت على صدر السلطة لما يزيد على 30 عاماً، وعندما صاح القذافي صيحته الشهيرة من أنتم؟ كان صداها يتردد في كل العواصم العربية إنذاراً بالتحول الجذري في الأوضاع في دول المنطقة، وقد قفز الإخوان المسلمون إلى مقاعد السلطة في مصر ووصل أحدهم إلى سدة الرئاسة بانتخابات سريعة، حيث لم تكن القوى السياسية الأخرى ناضجة بالقدر الذي يؤهلها للمشاركة في الحكم وتسيير دفع الأمور إلى أن خرج ملايين المصريين رافضين استمرار حكم الإخوان ومطالبين بالتغيير حتى صدرت قرارات 3 يوليو (تموز) عام 2013 التي أنهت دولة المرشد في مصر وفتحت الباب لتغيرات كبيرة أسهمت فيها المؤسسة العسكرية بدور وطني حتى استقرت الأوضاع في الشارع المصري بشكل ملحوظ.

رابعاً: لا بد أن نعترف أن أحداث الربيع العربي كانت تنقصها حزمة ضخمة من البرامج الإصلاحية التي تحيل العنف إلى فعل ثوري ينحاز للجماهير ويدافع عن حقوق الطبقات الأكثر عدداً والأشد فقراً، ولكن ربما نقول الآن بأن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن وظلت الأوضاع في معظمها تتأرجح بين التوتر والقلق وبين الهدوء والركود، على رغم كثير من الإنجازات التي نعترف بها في بعض تلك الأقطار العربية إلا أننا نلاحظ ديمومة بعض المشكلات المزمنة في المنطقة العربية وفي مقدمتها الصراع العربي- الإسرائيلي ثم الوضع في سوريا ثم الحال في اليمن، فالرواية لم تتم فصولها ولم ينزل الستار عليها كما ظن البعض.

خامساً: دعنا نعترف صراحة بأن الصخب الزائد الذي صاحب أحداث الربيع العربي قد غطى إلى حد كبير على صوت القضية الفلسطينية ومعاناة ذلك الشعب المناضل سعياً لاسترداد أرضه وإقامة دولته المستقلة، ومن هنا فإنه يمكن القول إن الضجيج الذي صاحب ثورات الربيع العربي قد كان خصماً مما يجري في المنطقة لحشد الدعم للقضية العربية الأولى التي استنزفت القدرات العربية في مجملها عبر العقود السبع الماضية أو ربما ما يزيد على ذلك، إننا نظن -وليس كل الظن إثماً- أن النتيجة النهائية لأحداث الربيع العربي لم تكن في مصلحة القضية الفلسطينية بل نقلتها من مرحلة التأييد السياسي إلى مرحلة التعاطف الإنساني، وقد كانت تلك نقلة نوعية سلبية أدت إلى تراجع واضح للقضية الكبرى مع اختفاء لردود الفعل الدولية تجاه معاناة الفلسطينيين، فاختفت المبادرات الدولية المتصلة بمستقبل القضية كما تراجعت التفاهمات الإسرائيلية مع الفلسطينيين، حيث عمدت تل أبيب إلى قدر كبير من التجاهل ومع الضغط المتزايد على الفلسطينيين من العنف المفرط والحصار الدائم حيث كان الانفجار الكبير في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

سادساً: لقد جرت مياه كثيرة في المنطقة وتحولات خطرة مارست فيها قوى إقليمية مختلفة أدواراً متباينة، سواء كانت تلك القوى هي إيران أو تركيا أو إسرائيل أو حتى دول القرن الأفريقي، فضلاً عن المصاعب التي يواجها العراق والتمزق الذي تعانيه الدولة السورية، ناهيك بما يجري في اليمن ودخول جماعة أنصار الله (الحوثيين) على خط التماس مع البحر الأحمر بالتحكم في مضيق باب المندب ومحاولة الإقلال من أهمية قناة السويس بإضافة ضربة جديدة للاقتصاد المصري الذي يحاول أن يتعافى في الفترة الأخيرة، لذلك فإننا نقول إن القضية الفلسطينية عموماً كانت قد ضاعت في غمار الأحداث التي جرت وأصداء الوقائع التي حصلت، وأصبحنا لا نرى حالياً إلا لغة العنف والدماء والأشلاء على امتداد خريطة المشرق العربي وجنوب الجزيرة.

سابعاً: لقد كانت أحداث الربيع العربي كما قلنا كاشفة ومنشأة، فهي كاشفة للعوار الذي أصاب كثيراً من النظم في المنطقة فهبطت تيارات سياسية وصعدت أخرى وفتحت ملفات عدة لم تكن متاحة للمواطن العربي العادي، والقياس على ذلك أيضاً كانت أحداث منشأة لتيارات إصلاحية واسعة كان أبرزها ما شهدته السعودية في السنوات الأخيرة وما تسعى إليه مصر في الظروف الصعبة شديدة الحساسية بالغة التعقيد.

هذه قراءة في ملف ثورات الربيع العربي التي شابها نوع من التدخل الخارجي بحيث تغطت بأردية دينية وأردية سياسية، ولكن الناتج كان يوحي بغير ذلك تماماً، فلقد كان الصراع على السلطة هو العامل المشترك بين أطراف كافة المؤسسات ومسارات حركتها إلى الأمام، إننا نعترف أنه إذا كانت للربيع العربي إيجابيات فهي لم تنعكس على القضية الفلسطينية بل العكس صحيح، إذ إن الذي غطى عليها هو ذلك الوشاح الكبير الذي رفع شعارات الحريات والتقدم وحقوق الإنسان، وقد ظلت كلها تكافح للظهور على السطح لإحداث تدخل نوعي في مجريات الحياة بالشرق الأوسط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثورات الربيع العربي والقضية الفلسطينية ثورات الربيع العربي والقضية الفلسطينية



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt