توقيت القاهرة المحلي 19:43:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحسابات العلوية للقوى الكبرى

  مصر اليوم -

الحسابات العلوية للقوى الكبرى

بقلم: مصطفي الفقي

أتذكر جيدًا فى أثناء دراستى فى المعهد الدبلوماسى أن جاءنا السفير اللامع الدكتور مراد غالب رحمه الله والذى أصبح وزيرًا للخارجية فيما بعد، وكانت المحاضرة فى نهاية ستينيات القرن الماضى وموضوعها (قراءة فى مستقبل الأمم مع عقد السبعينيات) وانبرى الدكتور مراد غالب يومها يشرح موضوعه فى عمق وهو القادم من عطلة قصيرة من موسكو، حيث كان سفيرًا لمصر فيها، ومن المعروف أن التحاقه بالخارجية المصرية قد جاء مرتبطًا بشخصية تاريخية مصرية كبيرة هو الفريق عزيز باشا المصرى الذى كان يحمل لقب المفتش العام السابق للجيش، وهو المجاهد الكبير فى الجيش التركى ثم المصرى وقد حارب مع المجاهدين فى برقة وكان عروبيًا حتى النخاع، ونظرًا لتقدمه فى العمر بعد ثورة يوليو 1952 حرص الضباط الأحرار على تأكيد انتسابهم لفكره السياسى والعسكرى، حتى شاعت قصة غير مؤكدة بأن ثوار يوليو عرضوا عليه أن يتولى رئاسة الجمهورية الأولى بديلاً للواء محمد نجيب، بل وتمتد الرواية حسنة النية لتدعى أنهم عرضوا نفس المنصب على أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد وربما كانت القصتان تعبيرًا عن التمنى وليست نقلا لحقيقة مؤكدة، المهم هنا أن مراد غالب كان سفير مصر فى موسكو معظم سنوات حكم الرئيس الراحل عبدالناصر إلى أن اختاره الرئيس السادات بعد ذلك وزيرًا للخارجية، وقد استخدم الدكتور مراد غالب فى محاضرته التى أشير إليها بمعهد الدراسات الدبلوماسية تعبيرًا جديدًا أثار اهتمامى حينها وهو تعبير (الحسابات العلوية بين القوى الكبرى) وتأثير ذلك على المشكلات الإقليمية بما فيها الوضع فى الشرق الأوسط حينذاك فى الفترة البينية من هزيمة يونيو 1967 إلى نصر أكتوبر 1973، وكانت النغمة السائدة دوليًا تدور حول مفهوم ما كنا نطلق عليه "الدايتانت" أى التقارب بين الكتلتين السوفيتية والأمريكية فى إطار الحرب الباردة التى كانت هناك آمال تلوح فى الأفق بقرب نهايتها واحتمالات التقارب بين موسكو وواشنطن بعد لقاء (جلاسبرو) بين الزعيمين السوفيتى والأمريكى، والمعروف أن مراد غالب هو فى الأصل طبيب جرى تعيينه فى وزارة الخارجية المصرية مرافقًا لعزيز باشا الذى رأى الثوار الاستفادة باسمه الكبير ليكون سفيرًا لمصر فى موسكو تتويجًا لنضاله التاريخى فى الحركة الوطنية المصرية، خصوصًا أن الملك فؤاد كان قد اختاره مع أحمد حسنين باشا ليكونا رائدى الملك فاروق فى فترة تأهيله وهو ولى للعهد، لقد قال مراد غالب فى محاضرته تلك التى لا أنساها أن العالم يتجه إلى تضييق الهوة بين المعسكرين الاشتراكى والرأسمالى وأن ما يلوح فى الأفق يوحى بالتقارب بين القطبين الكبيرين، وأن علينا كدول صغيرة نسبيًا أن ندرك هذه الحقيقة، وأن نتعامل مع معطيات الصراع فى الشرق الأوسط على ضوء ذلك، وألا نتصور أن المسافة السياسية بين موسكو وواشنطن أوسع كثيرًا منها بيننا وبينهم، فالعالم يكاد يودع مع عقد السبعينيات القادم صيغة ثنائية القطبين ويتجه إلى التركيز على محور واحد لوجود قوى عظمى تنفرد بالقرار الدولى الحاسم وتليها قوى تتفاوت درجات قوتها وفقًا للواقع الجيوسياسى على الأرض، ولقد أغرتنى محاضرة الدكتور مراد غالب فأصدرت أول كتاب لى بعنوان (التقارب الأمريكى السوفيتى ومشكلة الشرق الأوسط) وذلك فى منتصف عام 1970 وتبنى معهد الدراسات الدبلوماسية ذلك البحث الذى تقدمت به وأصدره فى كتاب مستقل مما أثار حماسى لمتابعة هذه القضية المتعلقة بالعلاقات الدولية المعاصرة والتى دار حولها كثير من محاضراتى وأبحاثى بعد ذلك، ولابد أن أذكر بالعرفان الآباء المؤسسين لمعهد الدراسات الدبلوماسية وربما كان أكثر الأسماء تألقًا فى تاريخه هو وكيل المعهد أسامة الباز العائد بعد حرب يوليو 1967 من دراساته فى الولايات المتحدة الأمريكية ليضفى على المعهد طاقة إيجابية متجددة وزخمًا سياسيًا وثقافيًا لا ينساه أبناء جيلى ممن درسوا فى ذلك المعهد الذى جرى إنشاؤه عام 1966 فى أحضان أكاديمية ناصر العسكرية وقتذاك وفى مبناها بحى الدقى، رحم الله عزيز باشا المصرى الذى كان يشاطر أحمد حسنين باشا الإشراف على ولى العهد المصرى قبل الثورة مع الاختلاف الكبير بين الشخصيتين عزيز باشا وحسنين باشا، ولكنها سمات ذلك العصر بما له وما عليه، ورحم الله الدكتور مراد غالب لأفقه الواسع ورؤيته الثاقبة. ورحم الله أستاذ جيلى من الدبلوماسيين أسامة الباز بثقافته واتساع أفقه وفهمه العميق للمتغيرات السياسية من حولنا ولآفاق المستقبل القادم نحونا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحسابات العلوية للقوى الكبرى الحسابات العلوية للقوى الكبرى



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt