توقيت القاهرة المحلي 00:02:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحكام والتاريخ

  مصر اليوم -

الحكام والتاريخ

بقلم: مصطفي الفقي

يختلف تقييم الشعوب لحكامهم أثناء الحكم وبعد زوال السلطة غالبًا فى الدول التى لا تتمتع بالديمقراطية الكاملة وليس لديها الوعى الذى يسمح لها بتوجيه الانتقاد الموضوعى لأحداثٍ وشخوص تمر عليهم، والسبب فى ذلك يبدو أحيانًا كمن يتطلع إلى لوحة فنية فيرى فيها رتوشًا مبعثرة وخطوطًا متناثرة، لكنه إذا ابتعد عنها قليلا يجد فيها ما يوحى بالجمال وما يدعو للإعجاب، وقديمًا قالوا: (رب يومٍ بكيت منه.. فلما مضى بكيت عليه)، فحتى الزعامات الكبرى فى التاريخ وجدت من ينتقدها ويوجه إليها طعناتٍ سياسية وشخصية، فقد دخل الرئيس الفرنسى الأسبق «ساركوزى» السجن مؤخرًا بسبب جريمة قبول التمويل من نظام القذافى لحملته الانتخابية والتى يمكن تصنيفها كرشوة سياسية يعاقب عليها القانون الفرنسى، وليس الأمر كذلك فحسب، بل إن زعامة ضخمة بحجم الجنرال ديجول وجدت أيضًا من يوجه لها الانتقادات رافضًا سياساتها الأوروبية والدولية، كما أن جمال عبدالناصر فى مصر الذى حظى بأكبر رصيدٍ من الشعبية الجماهيرية فى تاريخنا المعاصر تعرض هو الآخر لحملاتٍ ضارية تركز على أخطائه وتغفل إيجابيات سياساته ومواقفه، كذلك فإن أحمد عرابى، زعيم ثورة الفلاحين داخل الجيش وخارجه، قد تلقى إهانات بالغة وهو فى المنفى وبعد عودته، وبدا الرجل الذى وقف أمام الخديو على حصانه شاهرًا سيفه قائلا: (لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، فوالله الذى لا إله غيره إننا لن نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم)، وهو نفسه عرابى الذى عاد من المنفى بعد سنواتٍ من العزلة، وقد هجاه أمير الشعراء أحمد شوقى بأبيات شعر قاسية، وكان بعض الجهلاء يبصقون تجاه عرابى وهو يجلس على المقهى بعد عودته من المنفى باعتباره سبب البلاء الذى حل بالبلاد، وأدى إلى الاحتلال البريطانى لمصر، فالزعماء والقادة والحكام هم بشر يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق، ومن العبث أن نتصور أنهم تركيبة مختلفة أو نوعية متميزة من أصحاب الرأى وصانعى القرار، بل إن الطغاة والبغاة فى التاريخ الإنسانى المعاصر يتركون دائمًا بصماتٍ قاسية على الشعوب، خصوصًا أن التاريخ لا يرحم وأحكام الزمان تبقى قاسية، لهذا يجب علينا أن نضع كل قائد أو حاكم أو زعيم فى إطاره التاريخى ومرحلته الزمنية التى ينتمى إليها، فالذين ينتقدون حاكمًا بذاته أو قائدًا لدوره، إنما يتجاهلون الظروف التى كان يحكم فيها والمحاذير التى كانت تحيط به، ولا يدركون فى الوقت نفسه أن لكل عصر رموزه ولكل أوانٍ مواقفه، فمن العبث أن نلقى باللائمة وفق الهوى ونتيجة الرغبات الشخصية والمصالح الذاتية، فمحكمة التاريخ عادلة فى النهاية، وقد تنصف البعض لتنقلهم من ميدان الهوان إلى أعلى مراتب الوطنية ومواقع التقدير، كما أن العكس يمكن أن يحدث وهو أن يدرك الجميع أن مسيرة الحاكم أو القائد أو المسؤول فى عصر معين قد أعطته أكثر مما يستحق، وأن علينا أن ننظر إليه بحجمه الطبيعى دون الانهيار أمام كاريزما الزعامة أو الانبهار العاطفى حتى لا تغيب الحقائق أمامنا فى غمار الرؤى والأفكار والسياسات المختلفة. فلنكن موضوعيين فى أحكامنا محايدين فى تقديراتنا وآرائنا، مدركين أن البقاء لله وحده.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحكام والتاريخ الحكام والتاريخ



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt