توقيت القاهرة المحلي 08:33:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مشكلات اللغة العربية.. واللغة الثقافية

  مصر اليوم -

مشكلات اللغة العربية واللغة الثقافية

بقلم - رضوان السيد

أقامت وزارةُ الثقافة بدولة الإمارات العربية المتحدة و«مركز اللغة العربية» بأبوظبي قمةً لتدارُس مشكلات اللغة العربية. وقد حضرها عشرات الباحثين والشعراء والأدباء والخبراء في التعليم والآداب. كانت الدراسات النظرية والميدانية كثيرة، لكنّ معظمَها خالطَه أسىً عميقٌ على حال اللغة في التعليم والاستعمال اليومي وفي وسائل الإعلام والتواصل وفي الحياة الفكرية والثقافية.
ولستُ أزعم أنّ العربيةَ لا مشكلات عندها لدينا وفي العالم، لكنني أودُّ التركيزَ على أربعة مجالاتٍ، أولها اللغة الثقافية الحديثة، وهي حاضرةٌ وقويةٌ وقد صنعتها في القرن العشرين عدة فئات: الأدباء والمثقفون والمفكرون، والصحافة السياسية والأدبية، والكوادر التعليمية في المدارس والجامعات في المشرق والمغرب، وأخيراً علماء الدين واللغة من كُتّاب البرامج التعليمية في المدارس والجامعات. فمن الفئة الأولى (فئة الأدباء والمثقفين والمفكرين) أتت الصياغات الحديثة في المقالة والكتاب وفي الترجمات إلى العربية من اللغات العالمية الحية. ولكي يكون واضحاً ما أقصدُه أذكر طه حسين وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات وآخرين كثيرين من أمثالهم وإن يكونوا أقلّ شهرةً منهم. سمعتُ في مقهى ريش في الستينيات نجيب محفوظ يذكر للشبان الذين كانوا يستمعون إليه، وقد صار معظمهم روائيين وشعراء، أنه تعلّم «العربية الحديثة» من أساتذته بالجامعة. لكن التواضع لا يحول دون التقرير- كما قال - أنه هو وأقرانُه من الروائيين أسهموا في صناعة العربية الحديثة. ثم تطرق محفوظ إلى الفئة الثانية وهي فئة الصحفيين المصريين واللبنانيين وأمثالهم من البلاد العربية الأُخرى والذين جاؤوا إلى مصر وتدربوا أو صارت لهم بيئاتهم الخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. عمالقة الصحافة كانوا أيضاً أدباء، سواءً أكانوا من صاغة الأخبار أم من كتاّب المقالات السياسية. هؤلاء استفادوا وأفادوا. ولا أذكر الفئات الأخرى التي ذكرها محفوظ، لكنْ أذكر أنه قال إنّ الفرق بين الأمس واليوم يظهر في التأثير الكبير للغة الراديو والتلفزيون. إذ لا ينبغي الاستخفاف بتأثير لغتهم في الجمهور وتكوُّن لغة الحديث الواقعة بين الفصحى الكلاسيكية والفصحى الجديدة التي نتحدثها إلى درجة أنني أنا نجيب محفوظ، ولكي أقترب من الجمهور، وقد كتبتُ عشرات السيناريوهات للسينما عن رواياتي، صرتُ لا أستعمل فقط العامية، بل وأستخدم أيضاً على العموم ما صار يُعرف بالعربية المعاصرة.
اللغة التي نستخدمها في محاضراتنا وفي أحاديثنا الثقافية العامة هي لغة هجينة، ليس في تراكيبها فقط، بل وفي مفرداتها. ولهذه الناحية لا أرى أنّ هناك خطراً على اللغة أن تختفي أو تتضاءل استعمالاتُها.
لكنّ المشكلةَ بالفعل في التعليم العام والأساسي بالذات، فالعربية ما عادت لغةَ العلوم في المدارس والجامعات، كما أنها حتى في عامياتها ما عادت لغة الأطفال والفتيان. وقد قال لي فتىً في مدرسة خاصة إنه رغم الجهد الكبير الذي يبذله معلِّموهم، فإنّ تعلُّم الإنجليزية يبقى أسهل من تعلُم العربية! ولماذا يبدو ذلك للفتى؟ لأنهم في المنازل أيضاً (لدى أبناء وبنات الطبقات الوسطى) يتحدثون بالإنجليزية أو الفرنسية، وربما خلطوا في الجملة الواحدة بين ثلاث لغات أو مفردات من ثلاث لغاتٍ! ونحن نعلم أنه هناك وفي معظم الدول العربية تُبذل جهودٌ جبارةٌ في ترقية التعليم، ومن ضمن الاهتمامات البارزة اللغة العربية، لكنْ في غير التعليم الديني والدراسات الإسلامية، لا يبدو أنّ هناك أملاً في أن تعد العربية لغةً أولى في التعليمين الأساسي والجامعي!
ولنمض باتجاه رسائل التواصل ودورها المتعاظم في حياتنا جميعاً وبخاصةٍ الأطفال والفتيان. زميلنا الألسني نادر سراج يقول إنّ هذه اللغة الإشارية والاختزالية سادت وما عاد الخروج عليها ممكناً، وصلتها بالعربية الحديثة (لغة طه حسين!) واهية أو ضعيفة سواء في المفردات أو التراكيب. وعندما ذكرتُ له الحاسوبيات الصاعدة ضحك: ليتَها تعين على لغةٍ عربيةٍ حاسوبية، فحتى هذا صار صعباً!
لا يخلو بلدٌ عربيٌّ اليوم من جهاتٍ عديدة تُعنى بالعربية وتخاف عليها، وتَصنع من أجلها المستحيلَ لكي تبقى قيدَ الاستعمال في التعليم وفي الكتابة الأدبية والفكرية والسياسية. لكنّ هذا شيء والواقع الثقافي والاجتماعي شيء آخر.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشكلات اللغة العربية واللغة الثقافية مشكلات اللغة العربية واللغة الثقافية



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt