هل كان فى إمكان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قبل الهدنة الحالية أن يحسم الأمر عسكريا مع إيران وينهى الأمر تماما بإسقاط النظام الإيرانى والحصول على اليورانيوم المخصب وتفكيك المنشآت النووية؟
الإجابة هى لا قاطعة، فلو كان بإمكانه ذلك ما تردد ولو لثانية واحدة، فهو ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ليس معروفا عنهما الرحمة أو الإنسانية أو الاعتراف بالقوانين الدولية.
وبالتالى فأغلب الظن أو الوضع الراهن؛ أى حالة اللا حرب واللا سلم والهدنة سوف يستمر معنا طويلا. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق سيكون هشا ويقود إلى استئناف الحرب بصورة أو بأخرى بعد شهر أو سنة أو عدة سنوات.
ترامب خطف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو من غرفة نومه، ويهدد الجميع كل يوم. هدد كندا محاولا ضمها لأمريكا، وهدد الدنمارك بضم جزيرة جرينلاند وهدد الاتحاد الأوروبى بالرسوم الجمركية، وهدد دول حلف شمال الأطلنطى بأنه سيتركها كى تلتهمها روسيا إذا لم تزد من مساهمتها فى ميزانية الحلف، وشن الحرب مرتين على إيران وهدد بمحو حضارتها ويهدد الآن كوبا.
هو هدد سلطنة عمان بالتفجير إذا نسقت مع إيران فى فرض رسوم على مضيق هرمز، ولم يكترث للهجمات الإيرانية على الكويت وضحى بمصالح دول الخليج من أجل عيون إسرائيل.
أما نتنياهو فيتفاخر دائما بقانون القوة، دمر قطاع غزة، ويفعل الأمر نفسه فى جنوب لبنان واحتل المزيد من الأراضى السورية وهاجم اليمن أكثر من مرة. ويتحدث علنا عن إعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة وصولا إلى «إسرائيل الكبرى من النيل للفرات».
هذه هى الخلفية الأساسية لترامب ونتنياهو. والسؤال مرة أخرى: ما الذى دفع ترامب لوقف الحرب ــ حتى ولو بصورة مؤقتة، والدخول فى مفاوضات مستمرة مع إيران منذ ٨ أبريل الماضى وحتى الآن؟!
الإجابة ببساطة لأنه اكتشف أن الحل العسكرى لم يحقق أهدافه، فرغم أنه وجّه ضربات عسكرية شديدة الإيلام لإيران، لكن نظامها لم يسقط، بل ازداد تصلبا مقارنة بحالته قبل بدء الحرب.
العديد من المحللين الأمريكيين والغربيين يتحدثون علنا عن ترامب - إذا استمر الوضع على ما هو عليه - سيتلقى هزيمة استراتيجية فى إيران، قد تكون لها آثار مهمة على وضع بلاده ليس فقط فى الشرق الأوسط، ولكن فى العالم أجمع.
لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة أقوى قوة عسكرية على الإطلاق فى العالم، وأن ميزانيتها العسكرية تزيد عن تريليون دولار، وهو مبلغ يساوى ضعفى إنفاق كل دول حلف الناتو. وصحيح أنها الأكثر تقدما تكنولوجيا.
ولا أحد ينكر أيضا القوة العسكرية الإسرائيلية المتقدمة، والتى تحصل على دعم أمريكى دائم يتيح لها استمرار تحقيق التفوق النوعى على غالبية دول المنطقة.
كل ما سبق صحيح، لكن الأصح أن الحرب الأخيرة كشفت دروسا مهمة، وهى أن القوة العسكرية مهما بلغت شدتها وتفوقها تظل عاجزة بمفردها عن تحقيق النصر المستدام، إذا لم يصاحبه نتائج سياسية على الأرض.
وبالتالى فإن السبب الأساسى الذى دفع ترامب إلى قبول الهدنة والدخول فى مفاوضات صعبة مع إيران وعدم استئناف الحرب بصورة شاملة، هو إدراكه أن إيران صارت تملك أوراقا استراتيجية مهمة، منها ورقة مضيق هرمز الذى يمر منه خمس استهلاك العالم من النفط، وبسبب إغلاقه ارتفعت أسعار النفط مما متوسطه ٦٥ ــ ٧٠ دولارا للبرميل إلى ما متوسطه 105 دولارات طوال معظم الفترة من ٢٨ فبراير حتى الآن.
هذه النقطة تحديدا هى الهاجس الأكبر الذى يشغل ترامب ليس حبا فى غالبية دول العالم التى تعانى من ارتفاع أسعار الوقود، ولكن لأنها ارتفعت فى أمريكا بنسبة ٤٥٪ على الأقل، مما قد يؤثر بصورة سلبية على فرص الحزب الجمهورى الأمريكى فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى الخريف المقبل، علما أن القاعدة الجمهورية المؤيدة لترامب بدأت فى التململ والتراجع بفعل عدم حسم الحرب فى إيران.
ما يتبلور الآن فى أمريكا أن نتنياهو قد حشر ترامب فى ورطة شديدة، وما لم تحدث معجزة تُخرج ترامب من هذه الورطة، فالمؤكد أنه لن يحقق النصر الساحق الذى يحلم به، والمؤكد أكثر أن نتنياهو سيكون المتضرر الأكبر من أى اتفاق بالشكل الراهن بين أمريكا وإيران. ولذلك فإنه سيسعى بكل الطرق والحيل إلى تعطيل هذا الاتفاق، أو قبوله شكلا والالتفاف عليه وتخريبه بوسائل كثيرة بمساعدة من اللوبى الصهيونى فى أمريكا والغرب.