توقيت القاهرة المحلي 13:05:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

... عن الفضيحة والرأسماليّة

  مصر اليوم -

 عن الفضيحة والرأسماليّة

بقلم:حازم صاغية

بعد فضيحة جيفري أبستين المطنطنة، ثمّة إحساس يعبّر عنه نقّاد غربيّون مفاده بأنّ الأمور سيّئة جدّاً، وأنّ الرأسماليّة في شكلها الراهن تتحمّل مسؤوليّة معتبرة عن تدهور السياسة والقيم والأخلاق.

هكذا وجّه بعض الإعلام وبعض المواقع إصبع الاتّهام إلى «كبار رجال الرأسماليّة المعولمة»، وتحدّثوا عن «انهيار الثقة بالبيزنس الكبير». كذلك كتب رئيس الحكومة البريطانيّة السابق غوردون براون، في «الغارديان»، مطالباً بإعادة الثقة بالسياسة، وإن استدرك بالقول إنّ مهمّة ترميمها ستكون صعبة متّى اهتزّت السياسة.

وتتوسّع اليوم رقعة الدعوات إلى الشفافيّة، وضبط تدخّل المال في الانتخابات والشأن العامّ، والتشدّد حيال التهرّب الضريبيّ، وردع الأقوياء والأغنياء، أفراداً ودولاً، عن الإفلات من العقاب، واعتماد رقابات مؤسّسيّة وأخلاقيّة على عمليّات التربّح ومواقع النفوذ. بلغة أخرى، غدا من المُلحّ الحدّ على رأسماليّة منفلتة من كلّ قيد برأسماليّة مسؤولة أشدّ إنسانيّةً وحفولاً بالقيم وانضباطاً بالقانون.

وهذه وسواها من سياسات وآليّات لا بدّ من إدامة شحذها واستنهاضها، لمكافحة الفضائح التي قد تكون شديدة الضخامة والخطورة، كما الحال اليوم، فيما قد تنكفئ وتتراجع في ظروف أخرى. بيد أنّ استحالة استئصالها مرّةً وإلى الأبد تبقى دعوة طوباويّة مستحيلة البلوغ.

لكنْ في مقابل الإصرار على معالجة رأسماليّة التفلّت برأسماليّة القانون، ثمّة رأي آخر يتوزّع بين الهوامش الغربيّة والمتون العالمثالثيّة والعربيّة، مفادها بأنّ المشكلة نابعة من الرأسماليّة ذاتها بقضّها وقضيضها بوصفها هي أصل الداء. فهذه هي القراءة المترتّبة، في تلك البيئات، على فضيحة أبستين، علماً بأنّ الحجّة المذكورة سابقة كثيراً على تلك الفضيحة وهي، أقلّه منذ جان جاك روسّو، ليست بحاجة إلى أبستين.

فالصراع، وفق تلك القراءة، ليس بين رأسماليّتين، بل ضدّ الرأسماليّة. وهذا، والحقّ يقال، يأخذنا إلى مَهاوٍ بلا قرار. ذاك أنّ النموذج الضمنيّ الذي يمكن لقراءة كهذه أن تقترحه لم يعد قائماً منذ تحوّل الدولتين الشيوعيّتين الأكبر والأهمّ، الاتّحاد السوفياتيّ والصين الشعبيّة، إلى اقتصاد السوق، فيما يغدو الطلب على الاستثمارات الغربيّة رياضة وطنيّة في العالم غير الغربيّ. ويستطيع كلّ من يراجع الفكر اليساريّ في القرن العشرين أن يلاحظ هذا السؤال المتكرّر الذي يبقى بلا جواب شافٍ: لماذا لم تسقط الرأسماليّة؟

والحال أنّ الأخيرة، المولّدة حكماً للفضائح، والتي شاب تاريخَها كثيرٌ من القسوة والعدوان، هي صانعة عالمنا، وهي السبب وراء سائر المكاسب العظمى التي يتشكّل منها. وبالمعنى هذا يتحوّل الكلام الإطلاقيّ عن «الرأسماليّة» إلى كلام سهل يتفرّع إلى كاريكاتورات نضاليّة لا حصر لها. وقد سبق لنا أن شهدنا عيّنة على أحد هذه الكاريكاتورات مع مبادرة البعض إلى تفسير الثورة على بشّار الأسد باتّباعه «سياسات رأسماليّة نيو ليبراليّة»، والإغفال بالتالي عن تاريخ القهر السوريّ الممتدّ منذ 1963.

والراهن أنّ الفضيحة، جنسيّة كانت أم سياسيّة أم أمنيّة، لا تحدث إلّا في ظلّ الرأسماليّة الديمقراطيّة، وذلك تبعاً لوجود معايير مُلزمة للقياس يكون ما يجافيها هو الفضائحيّ. هكذا، وكأمثلة غير حصريّة، عرفت بريطانيا في الستينات فضيحة بروفيومو وكريستين كيلر، وعرفت الولايات المتّحدة في السبعينات فضيحة «وترغيت»، كما ظهر سياسيّون فضائحيّون من صنف بيرلوسكوني في إيطاليا وساركوزي في فرنسا.

لكنْ مَن الذي يسعُه القول إنّ ارتكابات عديّ صدّام حسين بحقّ النساء «فضيحة ذكوريّة»، أو أنّ اعتماد بريجنيف في سنواته الأخيرة على المنجّمات وقارئات الكفّ فضيحة، أو أنّ كيم جونغ أون وعيدي أمين هما فضيحتان مُشخصَنتان؟ فالمذكورون ليسوا أبطالاً فضائحيّين لأنّهم بعض واقع الحال نفسه، بمعنى أنّ الحياة العامّة، في ظلّهم، هي بعينها الفضيحة.

وهنا يمكن أن نقيم بعض التوازي بين الرواية البوليسيّة في البلدان الغربيّة والحياة البوليسيّة، من دون رواية، في البلدان غير الغربيّة. فتوازٍ كهذا كفيل بأن يقود نقّاد الرأسماليّة الإطلاقيّين إلى استنتاج أنّ الغرب يئنّ تحت وطأة الحياة البوليسيّة بدليل وجود الرواية البوليسيّة فيه، بينما الحياة في المجتمعات الأخرى معافاة منها بدليل عدم إنتاجها رواية بوليسيّة.

ويُخشى أن يتأدّى عن نقد مُعوجّ كهذا نوع من إعادة تدوير لحججٍ قديمة بالمعنى الذي أعادت فيه الخمينيّة وسائر النزعات القوميّة تدوير نقد الاستشراق السعيديّ. وهذا، في ربوعنا، حقل شديد الخصوبة: فمنذ 1923، حين انعقد في روما مؤتمر دوليّ عن حقوق النساء حضرته هدى الشعراوي، رأت النِسويّة العربيّة الأولى أنّ حضورها ليس لـ«طلب إلغاء تعدّد الزوجات أو تعطيل نظام الخطبة أو تضييق دائرة الطلاق على الرجال»، بل للبرهنة على «ظهور المرأة المصريّة بحقيقتها الثابتة أمام المرأة الغربيّة التي تجهل عنها كلّ شيء، أو تعرف عنها معلومات مشوّهة قرأتها في كتب ذوي الأغراض الاستعماريّة... وتبيان أنّ المرأة المصريّة الحديثة تكاد تساوي أختها الغربيّة في مدنيّتها». وفي سياق مشابه يتواصل نعي الحضارة الغربيّة «المنهارة»، وعائلتها «المتصدّعة»، ناهيك باللاساميّة التي طويلاً ما اختبأت في نقد الرأسماليّة، وتجد اليوم في فضيحة أبستين أقوى حججها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عن الفضيحة والرأسماليّة  عن الفضيحة والرأسماليّة



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

GMT 11:18 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

معمعة إبستين والأحداث الجارية

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt