توقيت القاهرة المحلي 23:50:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مرحلة انتقاليّة... لا نزيدها إلاّ غموضاً

  مصر اليوم -

مرحلة انتقاليّة لا نزيدها إلاّ غموضاً

بقلم:حازم صاغية

باحتمال خطأ ضئيل جدّاً يمكن القول إنّ حقبة الممانعة تنطوي، في المشرق العربيّ ومعه إيران. ففضلاً عن «حماس» و«حزب الله» ونظام الأسد، يلامس النظام في طهران مرحلة مصيرية تهدد استمراريته، فيما يجد العراق نفسه مضطرّاً إلى إعادة نظر في توجّهاته وتحالفاته. هكذا لا يبقى في الميدان، ومن خارج تلك الرقعة الجغرافيّة، سوى حوثيّي اليمن يخوضون معاركهم بأدوات فقيرة ومتناقصة في عدادها الخناجر.

وهي حقبة تنضمّ إلى حقبة الانقلاب العسكريّ وأنظمته التي سادت بين أواخر الخمسينات وأوائل السبعينات ليبدأ تساقطُها مع هزيمة 1967، قبل أن تتفرّع إلى تجارب يتآكلها العفن، تتوزّع على معظم البلدان العربيّة التي حكمها الأمن والعسكر.

لكنّ الواضح أيضاً أنّ مآل الانتقال من نظام الممانعة يشوبه غموض يفوق الغموض الذي شاب الانتقال من النظام العسكريّ. وفي حالات كثيرة يبدو أنّ الزمن الذي نهجره يشمل النظامين المتعاقبين معاً، أو أنّ هذا الزمن إنّما كان تركيباً منهما.

والغامض هو المكان الذي سيُنتَقَل إليه، أي الأنظمة والعلاقات والأفكار البديلة التي ستحلّ في البلدان المنتقِلة. وهي مسألة تستحقّ أن تثير أوسع القلق لأسباب مَرئيّة جدّاً لا تُحوج إلى تعداد البراهين، بدل الشعور الغامر بسعادة لا يُحسد أصحابها عليها.

ذاك أنّ طوري الانقلاب العسكريّ والممانعة تعاقبا على تدمير الحياة السياسيّة في البلدان التي حلاّ فيها، وفي البلدان التي تأثّرت بمفاعيلهما ونفوذهما. وبهذا التدمير تضاعفت قوّة الولاءات والهويّات الأهليّة (أديان، طوائف، إثنيّات، مناطق) وتضاعفت عدوانيّتها وبَرَمها بما ومَن هم خارجها. واليوم يمنع التفتّت الداخليّ المتمادي، في البلدان المعنيّة، قيام معارضات موحّدة ومتجانسة تتلاقى على برامج موحّدة ومتجانسة تعبر بها إلى ضفّة أخرى.

يفاقم الإعاقةَ هذه أنّ الانتقال المطروح مصحوب بسيولة مدهشة في التغيّرات السكّانيّة التي تُحدثها أعمال التهجير أو الخوف منه، وما ترتّبه من وقائع ديموغرافيّة. ونعلم جيّداً أنّ عنصر العدد من أشدّ الأسلحة فتكاً في نزاعات الهويّة.

يؤجّج تلك المخاوفَ وضعٌ اقتصاديّ بالغ السوء يزيد الصراع على الموارد المتضائلة احتداماً. وإذ تغدو «إعادة تعمير» البلدان والمناطق المنكوبة (غزّة، سوريّة، لبنان...) شرطاً شارطاً لاستئناف أيّة حياة عامّة معقولة، تصطدم الحاجة هذه بالاستنكاف الأميركيّ عن التمويل وبالافتقار الأوروبيّ إليه، ليحتلّ الصدارة كلام بهلوانيّ وعُظاميّ عن مشاريع عقاريّة وسياحيّة واستثماريّة. وعن هذا تتأدّى نتيجتان تغذّيان تشاؤم المتشائمين: عيش كُتَل سكّانيّة عريضة عيشاً طويلاً في صحبة الأنقاض، فضلاً عن البطالة، وتنافس المحتاجين إلى العون على معونات بالغة الشحّ، ما قد يضيف جرعة ما، صغيرة أو كبيرة، إلى خرائط المنازعات الأهليّة ضمن الحدود الوطنيّة وخارجها.

ولسوف يكون صعباً، في ظلّ الضمور الذي تعانيه دواخلُ تلك البلدان، خصوصاً المتورّطة منها في الصراع بين مُكوّناتها، أن لا يتعاظم الدور الخارجيّ لدول ولأحلاف توسّع نفوذها. وتطوّرٌ كهذا يتعارض بالتعريف مع مصالح البلدان المعنيّة، خصوصاً مصلحتها في الاستقرار. ولن يكون من الحكمة هنا تجاهل الاستراتيجيّة الإسرائيليّة التي تجتمع فيها عناصر تفجير ثلاثة هي رفض مبدأ الدولة الفلسطينيّة، أو حتّى المسار إليه، والإمعان في إذلال البلدان المجاورة، وربّما اقتطاع أراضٍ منها «نظيفة» من السكّان، ووضع اليد على مسائلنا المتأزّمة ومُشكلاتنا الكثيرة التي لم تُحَلّ، وهي خصبة وغنيّة بفعل تمزّق النسائج الاجتماعيّة، والظلم الواقع على جماعات إثنيّة ودينيّة وطائفيّة، ومن ثمّ تحويل تلك التناقضات منصّات لنفوذ إسرائيليّ يملي إرادته على شعوب المنطقة وجماعاتها عبر توسّله قضاياها.

أمّا فلسفة القوّة التي تعمّ اليوم على نطاق كونيّ فواضحٌ أنّها ليست في مصلحة بلدان كبلداننا تفتقر إلى كلّ قوّة، بل هي ضحيّة القوّة، إلاّ إذا افترضنا في الأقوياء نزعة إنسانيّة وغيريّة لا تتكاثر الدلائل إلاّ على عكسها. صحيح أنّ تمسّك الميليشيات المهزومة بسلاحها يقدّم ذريعة إضافيّة لاستعراض الأقوياء قوّتهم علينا، وهو ما يضيف سبباً إلى الأسباب الكثيرة الدافعة إلى نزع السلاح اليوم قبل الغد. لكنّ شجرة الميليشيات وراعيها الإقليميّ ينبغي، فيما هي تذوي، ألاّ تحجب غابة العالم الذي تتحكّم به فلسفة القوّة. فإذا كانت الدنمارك، ومن ورائها أوروبا، غير مطمئنة إلى الفلسفة المذكورة ونتائج العمل بموجبها، فكيف تطمئنّ بلدان ضعيفة كلبنان وسوريّة والأردن؟

وطريقة تأويل الحدث مهمّة هنا: فالتحرّر من الميليشيات ومن النفوذ الإيرانيّ تحرّرُ ضعفاء عانوا وطأة القوّة الميليشيويّة والإيرانيّة. وهذا ما يدفع، أو ينبغي أن يدفع، إلى التفكّر ومساءلة النفس الجماعيّة عمّا أوصلنا إلى هذه الحال، بدلاً من سطوع مشاعر الحبور وتهنئة النفس وإعلان النهايات الظافرة للتاريخ. وبدل لغة التهديد والوعيد، يكون الأجدى تعزيزنا الأفكار السلميّة المناهضة للتجبّر والعنف اللذين عانيناهما طويلاً. أمّا المشارَكة في محفل القوّة فمضحك ومُبكٍ معاً، إذ هو أقرب إلى تباهي الأصلع بشعر جاره، والسير على غير هدى، وبصدر منتفخ، نحو الهاوية العميقة الأقرب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مرحلة انتقاليّة لا نزيدها إلاّ غموضاً مرحلة انتقاليّة لا نزيدها إلاّ غموضاً



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt