توقيت القاهرة المحلي 13:50:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حالة حربيّة دائمة... لا حرب واحدة

  مصر اليوم -

حالة حربيّة دائمة لا حرب واحدة

بقلم:حازم صاغية

على أهميّة وقف إطلاق النار في غزّة وفي جنوب لبنان، الآن قبل الغد، فليسوا كثيرين من يقولون إنّ تطوّراً كهذا يفتح الباب لسلام نهائيّ. والحال أنّ المقاتلين أنفسهم، وعلى جوانب القتال الكثيرة، لا يعتبرون وقف إطلاق النار أكثر من محطّة على طريق طويل شائك. وحتّى لو وضعنا جانباً أهدافهم المبدئيّة الكبرى، كما يعلنها المقاتلون على أنواعهم، يبقى أنّ الحرب الحاليّة نفسها ذات تتمّات تتفرّع عنها، تتمّاتٍ لا يمتصّها وقف إطلاق النار ولا يلغيها. وليست التعقيدات التي تحيط بمستقبل غزّة وبطبيعة «اليوم التالي»، أو تكرار بنيامين نتنياهو المتعجرف إعلان وعيده حول «القضاء النهائيّ» على «حماس»، سوى صُور مصغّرة عن احتمالات الخراب المتدحرج. وهذا فضلاً عمّا يردّده البعض من توسّع في الحرب الإسرائيليّة على لبنان حالما تهدأ في غزّة.

وإسرائيل نفسها، كما نعلم، تنتظرها مواجهات حادّة بين رئيس حكومتها وخصومه الكثيرين، بمن فيهم قادة جيشه. ويغلب الظنّ، دون أن يكون ذلك مؤكّداً بالضرورة، أن تُخاض تلك المواجهات سياسيّاً. بيد أنّ الاحتمال السياسيّ لا تلبث أن تنخفض نسبته في أيّة مواجهة قد تحصل بين المؤسّسة العسكريّة ومن ورائها الجماعات العلمانيّة والقوى الدينيّة.

وبدورها فإنّ حركة «حماس»، وهذا ما لم يعد سرّاً، قد تجد نفسها في مواجهة صعوبات ذاتيّة كثيرة، أكان في ما بين قيادتي الداخل والخارج، أم في العلاقة بالسلطة في رام الله ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، والأهمّ، في ما بين مقاتليها أنفسهم وعموم السكّان في غزّة ممّن أنزل بهم الإسرائيليّون ضرباتهم الإباديّة المجرمة بسبب عمليّة 7 أكتوبر الخرقاء في أحسن أوصافها.

لكنْ ألا يصحّ هذا التقدير نفسه في عموم المنطقة التي شاركت وتشارك في القتال؟

كائناً ما كان أمر الدولة العبريّة و»حماس»، يكاد الاحتمال السياسيّ يكون معدوماً في النزاعات التي تشهدها البلدان العربيّة المعنيّة والتي قد تشهدها.

بطبيعة الحال فإنّ الحوثيّة اليمنيّة التي وُلدت من بطن الحرب الأهليّة، ووطّدت سلطتها انطلاقاً من تلك الحرب، كما حظيت بدعم إيران السخيّ تبعاً لها، يرتهن استمرارها باستمرار عنف وتوتّر ما. ومنذ حرب غزّة بات هذا الدور العنفيّ يتعدّى نطاق اليمن الجغرافيّ المباشر ليحتلّ وظيفته على رقعة التجارة البحريّة وطرق الملاحة الدوليّة. فإذا حلّ سلام في اليمن، نتيجةً لوقف إطلاق النار الإسرائيليّ – الحمساويّ أو بمعزل عنه، جاز التكهّن بتضرّر الحوثيّين جرّاء فقدان الدور والوظيفة.

أمّا سوريّا فرغم كونها لم تشارك مباشرة في الحرب، إلاّ أنّ أرضها المهداة لميليشيات مقاتلة باتت جزءاً من لوحة تتوزّعها كثرة القوى المحتلّة المرفقة بكثرة «الأوضاع الخاصّة»، من السويدا جنوباً إلى إدلب شمالاً فالحسكة ونطاقها الجغرافيّ في الشمال الشرقيّ. وحلول سلام فعليّ في سوريّا، بغضّ النظر عن وقف إطلاق النار الإسرائيليّ – الحمساويّ، يطيح بالتأكيد منظومة الحرب الأهليّة المستمرّة كما يجسّدها نظام الأسد.

أمّا في لبنان والعراق، فالصحيح أنّنا لا نجد قوى جاهزة للقتال ضدّ «حزب الله» أو ضدّ فصائل «الحشد الشعبيّ»، لكنّ علاقات الجماعات داخل البلدين المذكورين تبقى من جنس حربيّ تكاد لا تخالطه أيّة سياسة. فنحن أمام أكثريّات سكّانيّة اعتبرت، وذلك قبل حرب غزّة وبمعزل عنها، أنّ الميليشيات المسلّحة في بلدانها، التي تستمدّ دعمها من إيران، إنّما هي حالة حرب أهليّة ومذهبيّة دائمة. لا بل إنّ حرب غزّة نفسها ذريعة قويّة لتشديد حروب تلك الميليشيات على شعبها ومجتمعها وتوطيد تحكّمها بهما. وتكفي مراجعة سريعة لكلّ حرف يصدر عن «حزب الله» للتأكّد من أنّه لا يملك للمجتمع اللبنانيّ إلاّ وعد الحرب الدائمة والإخضاع الدائم.

وإلى ذلك، لن تشعر إيران نفسها بالارتياح إلى استقرار ليست شريكة فيه، وهي تعريفاً يصعب أن تكون شريكاً في الاستقرار، أو أن تُدعى إلى شراكة كهذه، حتّى لو اختير لرئاستها، ضئيلة التأثير، رجلٌ يوصف بالاعتدال والاصلاحيّة.

وهذا ما ينبّه، لدى تفسير الحرب في غزّة، إلى بُعدٍ من أبعادها يلفّه التجاهل، هو الطبيعة الحربيّة العميقة للقوى المحاربة وحاجتها كلّها إلى الحرب. فما عاشته وتعيشه غزّة لا يمثّل انقطاعاً عن طريقة حياة، وقد يمثّل، في المقابل، تتويجاً لها. ذاك أنّ الأمر لا يدور حول حرب كبرى يُفترض لأجلها إسكات الحروب الصغرى، استجابةً لآمر «التناقض الرئيسيّ»، تماماً كما أنّ وقف الحرب ليس استنهاضاً لقوى سلام وتحرّر واستقرار تمنعها الحرب، ممّا توصف به عادةً الحروب وطاقتها على تعطيل «الحياة العاديّة». فسادة «الحروب الصغرى» يتطلّبون «الحرب الكبرى» بقدر ما يتطلّب سادة «الحرب الكبرى» «الحروبَ الصغرى». ونوعا الحرب هذان، إذا سلّمنا بأنّهما نوعان، تتطلّبهما منطقة آثرت قواها أن تحوّلها قاعاً صفصفاً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حالة حربيّة دائمة لا حرب واحدة حالة حربيّة دائمة لا حرب واحدة



GMT 07:59 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

جيران حي المجانين

GMT 07:57 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

محاولة اغتيال حقيقية... هكذا ببساطة؟!

GMT 07:55 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

محاولة الاغتيال في الوقت الحرج

GMT 07:53 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

علاقات أوروبا ويمينها المتطرف

GMT 07:51 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

الديمقراطية الأميركية بخير... ولكن!

GMT 07:49 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

مأزق الوساطة والوسطاء

GMT 07:46 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

ترامب.. محاولة الاغتيال طريقُ الرئاسة

GMT 07:44 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

هتشجع مين؟

هيفاء وهبي تزداد أناقة وأنوثة بإطلالات جذّابة في الفستان القصير

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

باسل خياط بإطلالات صيفية تناسب الرجل العصري
  مصر اليوم - باسل خياط بإطلالات صيفية تناسب الرجل العصري

GMT 13:34 2024 الإثنين ,15 تموز / يوليو

أفكار مناسبة لديكور المداخل الصغيرة
  مصر اليوم - أفكار مناسبة لديكور المداخل الصغيرة

GMT 13:35 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

«أمينة خليل» تشارك بعمل جديد للعرض في رمضان 2025
  مصر اليوم - «أمينة خليل» تشارك بعمل جديد للعرض في رمضان 2025

GMT 05:25 2021 الأحد ,14 شباط / فبراير

موسكو تشهد تساقط ثلوج غير مسبوق منذ نصف قرن

GMT 01:25 2021 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

إرنستو فالفيردي مرشح لتدريب مارسيليا الفرنسي

GMT 02:27 2021 الجمعة ,22 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريق آخر لتسلل الفيروس التاجي المستجد إلى الرئتين

GMT 17:11 2021 الجمعة ,15 كانون الثاني / يناير

أسوان يبدأ الاستعدادًا للزمالك بعد نقطة المحلة في الدوري

GMT 00:36 2021 الخميس ,14 كانون الثاني / يناير

رجل يقتل ابنته بـ "ملابسها الداخلية"في القليوبية

GMT 05:39 2020 الأربعاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

اتحاد الكرة يلغى الشعار الجديد لمسابقة الدورى العام

GMT 22:35 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

"أستون مارتن" ينتزع جائزة 2020 لبطولة العالم في سباقات التحمل

GMT 09:11 2020 الثلاثاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

أب يستغيث من تغيب ابنته منذ 15 أغسطس في العجوزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon