بقلم: عبد المنعم سعيد
«دم العرب حرام» كلمات درامية تجلب النظر وتحرك الفؤاد وتبعد الذنوب عمن يعتزم المشاركة فى حرب دفاعية لإنقاذ ومساندة عرب فضلا عن إنقاذ أهل الوطن. ثلاث كلمات تستخدم بكثرة فى المحافل الدينية أيضا وكأنها وحدها سوف تعاقب الظالم وتحمى المظلوم، ومن يعلم فقد تقود من الخشية إلى ارتماء كليهما فى أحضان بعضهما البعض آسفين خاشعين. وتصبح الدراما أكثر تعقيدا عندما يضاف لها البحث الجدى عن السلام من خلال عمليات دبلوماسية كما لو أن المقابر المزدحمة ينقصها جثث الموتى الجدد من الدبلوماسيين. الطريف فى الأمر أن مهنة الصحافة تعريفها بأنها مهنة البحث عن الحقائق ومع ذلك فإن بيان «نقابة الصحفيين» أثناء قيام مجلس النواب بالتداول حول تفويض للقيادة السياسية فى استخدام القوات المسلحة فى الدفاع عن المملكة العربية السعودية، جانبه التوفيق. لم يكن القرار قد صدر من المجلس بعد، ولا عُرف محتواه ومداه، ومع ذلك ودون حصر وعَد واستقصاء فإن النقابة لم تبحث ولم تنشر لجميع العمليات الدبلوماسية المصرية فى منع الحروب أو تأجيل نشوبها أو عقد المؤتمرات الدولية فى شرم الشيخ لكى يجرى أول الحديث عن الخروج من حرب غزة الخامسة التى بالمناسبة كانت الحروب التى احتكرت فيها مصر الدبلوماسية والمفاوضات ووقف إطلاق النار والتعمير. وكانت المفاوضات والدبلوماسية والكلام الطيب عن القانون الدولى والذى منه تجرى بشكل مباشر، وأحيانا بالملازمة مع قطر وعُمان، وأحيانا ثالثة بالاشتراك فى لجنة رباعية مع السعودية وتركيا وباكستان؛ وفى أحيان رابعة مع 157 دولة فى العالم تعترف بالدولة الفلسطينية وهى التى لم توجد بعد.
الأمر يحتمل من جانب النقابة طرقا أكثر جدية لبحث كيف وصلنا إلى ما وصلنا نحن العرب والفلسطينيين فى قلوبهم إلى ما نشاهده الآن؛ ولا يمكن أن لا يكون حُكم على كل منعطف عن المدى الذى تستفيد به إسرائيل؛ لأنها تستفيد طوال الوقت. وصدق أو لا تصدق بأن الفائدة تكون خفاقة عندما يكون الفاعل هو قوى «الصمود والتصدى»، والآن «المقاومة والممانعة». النقابة التى يوجد بها دُرة الصحافة المصرية من الليبراليين والاشتراكيين والناصريين والماركسيين وكل ما فيها من ألوان وظلال؛ ومع ذلك فإن الإدراك كان قليلا، ولا أعرف عما إذا كانت بيانات صدرت أو لا، فإن البداية كانت عندما انفردت «حماس» بقطاع غزة فانقسمت الدولة الافتراضية قبل أن تقوم وبعد ذلك بالتوافق مع إسرائيل الحصول على الماء والكهرباء والغاز والواى فاى وتتكفل دولة قطر الشقيقة بالثمن الإسرائيلى. كان مشروع حماس إقامة «ميكرو» دولة فلسطينية لحسابها الخاص. وعندما قامت حماس بغارة 7 أكتوبر كانت النتيجة انهيار هذه الدولة أيضا حتى احتاجت المساندة من حزب الله فى لبنان الذى انتهى أمره وأمر لبنان إلى ما نعرفه الآن لأن الحزب يصمم على استمراره قائما «بالثلث المعطل». التحمت حرب غزة الخامسة بكل تراجيدية بحرب الخليج الرابعة بكل أشكالها الدرامية.
«بيان نقابة الصحفيين» أتى إلى المآسى الكبرى متأخرا، وعندما وصل بات يبحث عما إذا كان النهار قد برزت له أشعة شمس أم أن الظلام لا يزال سائدا ومن ثم لا تكون المطالبة لمعرفة توازن القوى الذى توجد فيه دول عربية فقدت خصائص الدولة عندما أجبرت على العيش فى ظل ازدواجية حمل السلاح بيد الدولة والتنظيم الذى يتلقى تعليماته من إيران لكى يقوم بأعمال تضعف الدولة وتفيد إسرائيل. النتيجة هى أن العالم العربى بات منقسما إلى 12 «دولة وطنية» لا يوجد فيها ميليشيات ولا حرب أهلية لديها مشروعا وطنيا التقدم والرفعة. الدول العشر الأخرى باتت فريسة الميليشيات والانقسام والحرب الأهلية، ومثل الدمى يجرى التلاعب بها من كل حدب وصوب. ما تسعى إليه الدول الأولى هو إعادة الاستقرار إلى المنطقة بكافة الوسائل الخشنة والناعمة. ولسوء الحظ فإن ضحايا الحروب فى المرحلة كانت دول الخليج العربية والأردن والمملكة العربية السعودية؛ وهى الدول التى التحمت فيها الجغرافيا للبحر الأحمر والخليج فى ثلاثة مضايق: هرمز، وباب المندب، وقناة السويس؛ مع الديمغرافيا حيث يقيم ثلاثة ملايين ونصف من المصريين!
المرحلة القادمة صعبة وقاسية، وهى اختبار عما إذا كانت النخبة السياسية والاستراتيجية والعسكرية، والصحفيين معهم سوف تطرح ما يدفع الأمة إلى الأمام أو أنهم سوف يظلون قابعين داخل أوراق مثالية تتجاهل أن 7000 صاروخ ومسيرة جاءت من إيران والميليشيات قد أُطلقت تجاه دول الخليج العربية وجرى صد 94٪ منها. كان الشر أصله فى إيران، وإسرائيل بالطبع، ولكن لعنة الميليشيات أضافت للنكبة نكبات إضافية فى فلسطين؛ ووضعت لبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان فى حريق حارق ولهب لاسع. مصر كانت ولا تزال قبة الميزان مع أشقائها الذين يعرفون قدرها؛ وبات على الصحفيين استيعاب ما فى المرحلة من جديد الخصائص فى عصر به متغيرات هائلة عالمية وإقليمية وداخل كل دولة على حدة.