بقلم: دكتور زاهي حواس
يعد الدكتور ممدوح الدماطى واحداً من أبرز علماء الآثار فى مصر، وقد شغل مناصب علمية مهمة، أهمها مديراً للمتحف المصرى بالقاهرة، وعميداً لكلية الآداب جامعة عين شمس، كما شغل منصب وزير الآثار. وكان قد حصل على الدكتوراه من جامعة ترير الألمانية، وقد نشر كتابًا بعنوان «موسى عليه السلام وخروج بنى إسرائيل من مصر».
وهذه ليست المرة الأولى التى يتناول فيها باحث متخصص هذا الموضوع، فقد تناوله كثيرون من قبل فى محاولة للكشف عن أسرار الخروج وعلى رأسها من هو فرعون الخروج؟ وبالفعل هناك العديد من الكتب لأجانب ومصريين أكثرهم مجرد هواة وقليل منهم المتخصص فى علم الأثار، والمصريات تحديداً. وبالتالى فإننا هنا أمام كتاب مؤلفه عالم وباحث يعتد بعلمه. ومع ذلك وبمجرد الإعلان عن الكتاب ومحتواه خرج العديد من الناس مهاجمين الكتاب ومؤلفة وأخذت أشكال الاعتراض والخلاف فى وجهات النظر مناحى يؤسف لها وهى بعيدة كل البعد عن منهج الخلاف العلمى والمناقشة وقرع الحجة بالحجة، وبالتالى تحول الخلاف فى الرأى إلى معركة شوارع ونال المؤلف خلالها من التجريح والهجوم ما يجعلنا نندهش ونتساءل ما هى جريمة الدكتور الدماطى؟!
وقبل أن أسرد ما ورد فى كتاب الدماطى «موسى عليه السلام وخروج بنى إسرائيل من مصر»، لابد وأن أؤكد أن علماء الأثار لم ينجحوا إلى الأن فى الكشف عن أى أدلة أثرية مكتوبة تشير إلى خروج بنى إسرائيل من مصر؟ وقد سبق أن أعلنت أننا يجب أن نفصل بين الدين والآثار؛ لأننا لم نعثر فى الآثار حتى الآن على أى معلومة حول وجود سيدنا إبراهيم وسيدنا يوسف وسيدنا موسى وقومه، فلا يعنى ذلك عدم وجودهم! فنحن لم نكشف عن كل التاريخ القديم. وسيظل علماء الأثار يبحثون وينقبون عن التاريخ القديم حتى قيام الساعة. واستغل البعض ما قلته عن الفصل بين الدين والأثار للهجوم على شخصى حتى أن بعضهم اتهمنى بالإلحاد ولا حول ولا قوة إلا بالله! وكان الغريب فى الموضوع أن الهجوم على شخصى قد جاء أولًا من جانب إسرائيل، حيث نشرت احدى المواقع الإسرائيلية أننى لا أؤمن بما جاء فى التوراة، وأننى أكره إسرائيل. وفى الوقت نفسه هاجمنى بعض الباحثين، ونشرت إحدى الجرائد عنوانًا فى صفحتها الأولى يقول إننى لا أؤمن بالقرآن الكريم. وللأسف الشديد، فإن الذين قاموا بهذا الهجوم قرأوا الجزء الأول من حديثى وتناسوا الجزء الثانى.
لقد فسرت أن السبب فى عدم وجود ذكر لتلك الأحداث على جدران معابد ومقابر الفراعنة، يعود إلى أن الملك فى مصر القديمة كان عليه أن يقوم بأعمال محددة لكى يصبح إلهًا فى العالم الأخر بعد موته مثلما حدث مع أوزير، منها أن يبنى مقبرة يُدفن فيها، ومعبدًا يُعبد فيه مع الآلهة، وأن يوحّد مصر العليا والسفلى، ويقدم القرابين للآلهة، وأن يهزم أعداء مصر. وإذا بدأنا بسيدنا موسى، نجد أنه، كما ورد فى الرواية الدينية، هزم فرعون، وبالتالى لا يمكن أن يقوم ولى العهد أو ابن الفرعون بنقش هذه القصة على أى أثر للفرعون. ونعود ونؤكد أن ما كشفناه من آثارنا قليل، وما زال أكثر من 70٪ منها فى باطن الأرض، وقد نعثر يومًا على ما يتعلق بخروج بنى إسرائيل.
قدم الدكتور ممدوح الدماطى لنا كتابه فى أربعة فصول. تحدث فى الفصل الأول عن بدايات بنى إسرائيل فى مصر، وعن دخول سيدنا إبراهيم وسيدنا يوسف وبنى يعقوب. وأضيف أن بعثة نمساوية كانت تبحث فى هذا الموضوع، وتحاول تتبع دخول بنى إسرائيل إلى الدلتا.
أما الفصل الثانى، فهو عن موسى من المهد إلى الوحى، ولا شك أن معلومات هذا الجزء مستمدة من الكتب السماوية، بالإضافة إلى محاولة الدكتور الدماطى معرفة القرب الجغرافى بين موقع أم موسى وقصر الفرعون. ويشير فى بحثه إلى الأدلة القرآنية على أن سيدنا موسى عاش فى عهد فرعون واحد، ويرى أن الملك الذى تنطبق عليه مدة الحكم هو رمسيس الثانى، الذى حكم نحو 66 عامًا. وهذا هو الملك الذى يعتبره مخرجو هوليوود فرعون موسى، وربما يرجع ذلك إلى شهرته، وإلى ارتباط اسمه بهذه القصة.
وقد يقول البعض إن هناك ملوكًا آخرين حكموا فترات طويلة، مثل تحتمس الثالث، وحتشبسوت التى اعتقد بعض علماء الآثار أنها فرعون الخروج!! ومن المهم أيضًا ما ورد فى الكتاب عن أصل كلمة «فرعون» ومعناها عبر العصور، فهى مشتقة من الكلمة المصرية القديمة «بر عا»، أى البيت أو القصر العظيم، ومنذ الأسرة الثامنة عشرة أصبحت تطلق على الملك نفسه. ومن أهم من كتبوا فى هذا الموضوع أستاذنا الراحل العظيم عبد العزيز صالح. وفرعون لم يكن اسمًا شخصيًا للملك؛ فالاسم كان يُكتب داخل خرطوش، وقد يأتى بجواره لقب «بر عا». وشرح الدكتور الدماطى هذا الموضوع بطريقة علمية رائعة، موضحًا أن ما كُتب عنه من قبل لا يستند إلى أساس علمى.
وتستمر المناقشة فى الكتاب بالاستشهاد بالقرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى، فيما يتعلق بتربية موسى فى القصر والخروج من مصر. وفى الفصل الثالث يتناول المؤلف معلومات عن الديانة واحتفالات عيد الـ «سد» عند المصريين القدماء. أما الفصل الرابع والأخير فيعتمد فيه أيضًا على الكتب السماوية فى مناقشة طريق الخروج.
وفى النهاية يشير المؤلف إلى أن رمسيس الثانى هو فرعون موسى. كما قلت من قبل، ولكن لا نستطيع أن نؤكد، مهما كانت الاستنتاجات، أن رمسيس هو فرعون الخروج؛ لعدم وجود أدلة مكتوبة أو أثرية قاطعة. إن التقرير الطبى عن حالة مومياء الملك رمسيس الثانى تؤكد استحالة قيام رمسيس الثانى بركوب عجلة حربية ومطاردة بنى إسرائيل وهو فى هذا السن وقد تجاوز التسعين من عمره ويعانى من خشونة فى الفقرات وتقوس فى العمود الفقرى غير أمراض الشيخوخة الأخرى.
لقد اجتهد الدكتور الدماطى وقدم دراسة، قد يصيب فيها أو يخطئ. وقد أوضح فى مقدمة كتابه، وهو أمر أرجو أن يلتفت إليه الذين هاجموا المؤلف، أن منهجه يقوم على التوافق والتقريب بين الروايات الدينية والشواهد الأثرية والتاريخية، وأن نتائجه ترجيحية بطبيعتها، فلا توجد أدلة واضحة أو قاطعة تمكننا من الجزم بهوية فرعون أو طبيعة الأحداث، وأن رأيه قابل للتغيير أو التعديل مع ظهور أدلة أثرية جديدة.