بقلم : طارق الشناوي
فى حياته رفض الأديب الكولومبى الكبير جبرائيل جارسيا ماركيز، تحويل قصته الشهيرة (١٠٠ عام من العزلة) إلى عمل درامى، عرض عليه النجم العالمى أنتونى كوين مليون دولار، إلا أن الرقم لم يزغلل عيونه، هذه الأيام وافق نجلاه على تقديم الرواية فى مسلسل تليفزيونى، وقالا إنه قبل أن يغادر الحياة، منحهما حرية اتخاذ القرار.
بعيدا عن التصديق أو الشك، أرى أن القضية يجب أن تنتقل إلى دائرة أوسع، هل وصايا الراحلين ملزمة لمورثيهم رغم أنها مرتبطة بمنطق فرضه الزمن فى لحظة ليست أبدا أبدية.
أغلب الورثة عندما يجدون من يعرض عليهم أموالا مجزية مقابل الحصول على توقيعهم، فى العادة يوقعون، إلا أن تلك الموافقة، لا تعنى بالضرورة أنهم باعوا مورثيهم.
قبل نحو ١٠ سنوات أثيرت تلك القضية، عندما بدأ الاستعداد لتقديم جزء سادس من المسلسل الأشهر (ليالى الحلمية)، من إخراج مجدى أبو عميرة، وتأليف عمرو محمود ياسين وأيمن بهجت قمر، صارت هناك معركة، والرافضون أكثر من المؤيدين، وافق ورثة أسامة أنور عكاشة على المبدأ، كانت الخطة هى الاستعانة بنفس النجوم، الرئيسيين، رفض يحيى الفخرانى (سليم البدري) ورفض صلاح السعدنى (سليمان الغانم)، وافقت صفية العمرى (نازك السلحدار)، وإلهام شاهين (زهرة)، وشريف منير(عادل البدري)، وكان ممدوح عبد العليم وافق على استكمال (على سليم البدرى).. إلا أن القدر كان أسرع.
تاريخيًّا، المسلسل تعثر فى الجزء الخامس، الذى كتبه أسامة أنور عكاشة، وكان يحيى الفخرانى وقتها قد أعلن انسحابه، وبعد الضغوط الأدبية، وافق على أن يؤدى دورا أقرب إلى ضيف شرف، حتى لا يضيع على زملائه حقهم فى استكمال أدوارهم، ولا أتذكر أن هناك من تحدث وقتها عن جزء سادس، لم يقلها أسامة ولا أيضا المخرج الراحل إسماعيل عبد الحافظ.
الغريب أن الجزء السادس بعد عرضه تبرأ منه الجميع وأعلنوا ندمهم، ولم يستطع الصمود سوى (التتر) الأصلي، الذى كتبه الشاعر سيد حجاب ولحنه ببراعة ميشيل المصري، وبالصوت الدافئ محمد الحلو، وفى استفتاء أجرى وقتها لأفضل (تتر) رمضانى احتفظ مجددا بالمركز الأول.
هل كان العيب فى موافقة الورثة؟ كانت لديهم أسبابهم، ولا يمكن أن نعتبر مجرد حصولهم على الأموال يعنى توجيه اتهام، إلا أنهم مثل الآخرين (حسبوها غلط)، زمن (ليالى الحلمية) فى التنفيذ أو توقيت العرض، كان يسمح فى التسعينيات بسقف أعلى من الحرية، هبط السقف بعدها، وما كان من الممكن مناقشته، صار يقع تحت طائلة قانون (التابوهات)، التى لا يجوز الاقتراب منها ولو (من بعيد لبعيد).
لدينا ثلاث نجمات كان قرارهن المعلن هو ألا يحاول أحد تقديم سيرة حياتهن دراميا، بعد أن شاهدن ما جرى لليلى مراد وسعاد حسنى وتحية كاريوكا وعبد الحليم وغيرهم من عبث وتزوير، النجمات هن مديحة يسرى وهند رستم وشادية، بدأوا بالفعل تصوير مسلسل شادية بطولة دنيا سمير غانم، أعلنت شادية غضبها، وكتب أحمد رجب بعنف وحذرهم فتراجعوا.
لو افترضنا جدلا، أن هناك مشروعا لتقديم حياة واحدة من نجماتنا الثلاثة، والمشروع محاط بكل أسباب النجاح، ووافق الورثة، هل نعتبرها خيانة وطعنة خنجر؟
غالبًا، هذا ما يحدث؛ تكثر الاتهامات.. ربما يأتى عامل جديد فتصبح الإجابة بنعم أوافق على تقديم قصة حياته هى التى ترضى الفنان الراحل!!.