بقلم: طارق الشناوي
«محمد حماد» مخرج شاب نال فيلمه الروائى الثانى (خروج آمن) الجائزة الذهبية فى مهرجان (الجونة). قدم قبل نحو 12 عامًا فيلمه الأول (أخضر يابس)، حصد أكثر من جائزة.. كم منكم يتذكر (أخضر يابس) الذى يقع تحت اسم (السينما المستقلة)؟ أتصور أن الأغلبية لم تشاهده، وأتمنى أن يلقى فيلمه الثانى حظًا أوفر. إذا كان توصيف السينما المستقلة اقتبسناه من السينما الأمريكية التى يتم إنتاجها خارج قواعد شركات (هوليوود) الكبرى، وهى أفلام لا نشاهدها فى مصر، إلا فقط فى المهرجانات، وربما لهذا السبب صار اسمًا لصيقًا بتلك التجارب، التى عادة ما تصطدم بالسوق، ولا يرحب بها فى دور العرض، ومعدل إنتاج فيلم كل عشر سنوات هو أحد معالم مخرجى تلك الأفلام، هناك دائمًا جهد إنتاجى مُضنٍ للحصول على تمويل، من خلال عدد من صناديق المهرجانات، التى تشجع على استمرار تلك النوعيات.
لا ترحب شركات التوزيع فى مصر بتلك الأفلام، وبالتالى لا يعرفها الجمهور، إلا فقط من خلال نافذة واحدة (زاوية)، وتشرف عليها المخرجة ماريان خورى، التى تكمل مشوار خالها يوسف شاهين فى دعم تلك الأفلام الخارجة عن السياق التجارى.
كانت لدينا تجارب متعددة فى هذا المجال، وربما كان الاسم الأكثر حضورًا إبراهيم بطوط، وهو الذى قاد المسيرة قبل نحو 15 عامًا، ولدينا أيضًا أسماء أخرى مثل أحمد عبدالله، الذى حاول فى عدد من أفلامه إيجاد مساحة مشتركة مع أفلام السوق عن طريق إسناد البطولة لعدد من النجوم الذين لديهم حضور جماهيرى، مع استمرار سيطرة المخرج على كل المفردات السينمائية.
ومن أكثر التجارب إيلامًا فيلم (ريش) للمخرج عمر الزهيرى، الذى حصل قبل 4 سنوات على الجائزة الذهبية فى مسابقة (أسبوع النقاد) فى مهرجان (كان)، والعديد من الجوائز الأخرى مثل (قرطاج) وغيرها. عُرض الفيلم فى مهرجان (الجونة)، وشاهدنا داخل دار العرض استهجان عدد من الفنانين، بحجة انتهاك (سمعة مصر)، لمجرد أن الشريط قدم معاناة الفقراء. لم يتمكن المخرج الشاب من تقديم فيلمه الثانى، الغريب أنه بمجرد حصوله على جائزة مهرجان (كان)، استقبلته وزيرة الثقافة الأسبق د. إيناس عبدالدايم لتهنئة فريق العمل على الإنجاز التاريخى، ومن داخل الوزارة أيضًا من أراد ضرب التجربة فى مقتل.. والغريب أن الفيلم من بعدها مُنع من العرض فى مصر، الأغرب أن منتج الفيلم محمد حفظى أدلى بتصريح مباشر: (لو عادت به الأيام فلا يمكن أن ينتج فيلم ريش).
الحكاية ضاربة فى العمق، لم ينجُ منها مخرج مثل يوسف شاهين، فى العديد من أفلامه مثل (القاهرة منورة بأهلها) عرض فى مهرجان (كان)، بينما مؤسسة صحفية كبرى طالبت فى شهر مايو عام 1991 بسحب جواز السفر المصرى من يوسف شاهين بمجرد عودته إلى أرض الوطن بتهمة الخيانة الوطنية.
أيامها، كانت هناك مساحة للتصدى، وهكذا تمكنت من عرض الفيلم مرتين فى نقابة الصحفيين، وعقدت ندوة شارك فيها مع يوسف شاهين العديد من السينمائيين دفاعًا عن الحرية.
السينما المختلفة فى مصر تواجَه بترسانة من المعوقات الرقابية والإنتاجية، ومعلوماتى أن فيلم (خروج آمن) لم تتم الموافقة على عرضه بسهولة فى (الجونة)، والمعركة الكبرى أن تتم الموافقة على عرضه جماهيريًا، تلك هى الجائزة الأهم التى ينتظرها محمد حماد وفريق العمل. الفيلم يولد فقط عندما يُتاح لكل من يحمل تذكرة، دعونا ننتظر أن يجد (خروج آمن) دخولًا آمنًا فى الشارع!!.