توقيت القاهرة المحلي 01:33:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

علبة سجائر محمود المليجى!!

  مصر اليوم -

علبة سجائر محمود المليجى

بقلم: طارق الشناوي

استمعتُ مرة إلى الأديب الكبير الراحل د. يوسف إدريس كان يحكى أنه فى شبابه تعلم كيف يضع علبة السجائر فى الشراب، بعد أن شاهد محمود المليجى يفعل ذلك فى أحد الأفلام، فأصبحت علبة سجائره منذ ذلك الحين تعرف أن بيتها الوحيد هو (الشراب).

فى أحد مشاهد فيلم (اللمبى)، محمد سعد وهو فى طريقه للمدرسة قالت له أمه عبلة كامل: (متأكد إن ساندوتشك فى شنطتك، ومطوتك فى جيبك).

قطعًا علينا ألا نحاكم الدراما بصرامة، وبمعيار أخلاقى مباشر، وفى نفس الوقت لا نغفل تأثيرها. تُشن بين الحين والآخر هجمات على الفضائيات، باعتبارها هى المصدر الرئيسى لحالة الانفلات اللفظى والحركى، ونغفل أن ما يجرى فى الشارع كثيرًا ما يتجاوز ما نراه على الشاشة، هل نُحمِّل «الميديا» تبعات المسؤولية كاملة، تنقل الشاشة السلوك للشارع، فى نفس اللحظة التى تستقى فيه مفرداتها من الشارع؟

قبل نحو ما يزيد على ٣٠ عامًا أخرج أوليفر ستون فيلمه «ولدوا ليقتلوا» ينتقد فيه وسائل الإعلام، وكيف أنها صدَّرت العنف للمجتمع فبات أكثر دموية، استند إلى دراسة أكدت زيادة ملحوظة فى الجينات المحفزة للعنف فى السنوات الأخيرة- مقصود بها وقت إنتاج الفيلم فى التسعينيات- ولا أتصور أن الأمر يختلف الآن.

العلاقة كانت ولاتزال تبادلية بين الشارع والشاشة، تنقل «الميديا» ما يجرى فى الشارع ثم تصدره للناس، وبعد إعادة تدوير البضاعة، بعض الجرائم تم تنفيذها مباشرة محاكاة لفيلم أو مسلسل، كما أن بعض أساليب تعاطى المخدرات كانت الشاشة هى الوسيلة المضمونة لذيوعها، ورغم ذلك علينا أن نقول إن الكاتب يأخذ الواقعة من الشارع، وبعد إضافة تفاصيل تتوافق مع قانون الدراما، يعيدها مجددًا للشارع، وهكذا تذوب الحدود بين المنبع والمصب.

الشارع كان ولايزال يسمح بهامش من التجاوز اللفظى، زاد المعدل عن حدود المسموح.. تلك حقيقة رأيناها أيضًا على الشاشة.

فى كل لغات العالم تتوالد كلمات وتتغير الأطر الدلالية لبعض الكلمات، لديكم مثلًا تعبير (فشخ)، فى جيلنا تعتبر كلمة «أبيحة» أما فى اللغة الروشة فهى تعنى المبالغة فى التقدير، يجب علينا أن نذكر أن الكلمة قبل أن يتم تداولها لا تأخذ ضوءًا أخضر ولا تصريحًا رسميًا من (مجمع اللغة العربية)، ولكنها تنتزع حضورها عنوة فى الحياة، وكل زمن يطرح أسلوبه ومفرداته، ولو تابعت لغة التخاطب عبر «النت» ستكتشف أن ما تسمعه فى المسلسلات والأفلام والبرامج كلمات مهذبة جدًا، بالقياس لما هو مستخدم بكثافة الآن فى العالم الافتراضى.

كلمات مثل حضرتك وأفندم وبعد إذنك ولو سمحت وعفوًا وغيرها، يبدو أن عمرها الافتراضى قد انتهى من قاموس التعامل اليومى، ومن لايزال حريصًا عليها صار فى عُرف هذا الزمن «أنتيكة»!!

لو قلبت فى صفحات الدراما ستكتشف أن أشهر عبارة أحدثت ضجة فى العالم العربى ووُصفت وقتها بالانفلات، هى تلك التى أطلقتها فاتن حمامة فى فيلم «الخيط الرفيع» فى منتصف السبعينيات «ابن الكلب»، التى نعتت بها محمود يس فى حوار ساخن، كان من المستحيل العثور على مرادف لفظى آخر، إلا أن الذى حدث بعدها أن البعض طالب بالمعاملة بالمثل، ورأينا سيلًا عارمًا من مشتقاتها تتسلل للأفلام.

لا ينجح عمل فنى ولا برنامج لأن به بذاءات، الناس بطبعها تكره الإفراط، والحكمة تقول: (الفضيلة تقع بين رذيلتين: الإفراط والتفريط)، وهكذا بقدر ما أرفض تلك الأعمال التى تبدو مهذبة لدرجة التعقيم، فأنا أرفض أيضًا الإسراف الذى يصل إلى حد الإسفاف، النوعان مرفوضان، سواء تلك التى تغلف نفسها بغطاء من أوراق «السوليفان»، أو الأخرى التى تبدو وكأنها قد تخلصت تمامًا حتى من ورقة التوت.

لا نستطيع أن نعزل الشاشة عما نراه فى الشارع، ولا أن ننكر أن الدراما أيضًا أثرت فى لغة الشارع. إنهما وجهان لعملة واحدة، ولا أتصور أن ميثاق الشرف الإعلامى من الممكن أن يملك آليات للمواجهة، بعد أن أنجب الانفلات مزيدًا من الانفلات، لنترحم جميعًا على زمن علبة سجائر محمود المليجى!!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

علبة سجائر محمود المليجى علبة سجائر محمود المليجى



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt