توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جرائم النخبة وضياع الأوطان

  مصر اليوم -

جرائم النخبة وضياع الأوطان

بقلم : عبد اللطيف المناوي

تلمّح ستيفانى ويليامز فى كتابها «ليبيا منذ القذافى: الفوضى والبحث عن السلام» إلى حقيقة أكثر إزعاجًا من فكرة «الاحتلال» ذاتها، ليبيا لم تُغزَ بالقوة، بل انفتحت من الداخل. لم تُكسر أبوابها بالدبابات، بل فُتحت عبر تفاوض هش، وشخصيات ضعيفة، ومصالح شخصية ضيقة، وبيع تدريجى للقرار الوطنى. الخارج لم يحتج إلى فرض إرادته بالقوة، لأنه وجد من يعرضها طوعًا، أو على الأقل من لا يملك القدرة ولا الإرادة لرفضها.

هنا ينهار أكبر مبرر جاهز فى الخطاب الليبى، «كل ما حدث مؤامرة خارجية». الكتاب يقدّم حقيقة قاسية، لا توجد مؤامرة تنجح من دون بيئة داخلية قابلة للاختراق. المؤامرة تحتاج أدوات محلية، وواجهات سياسية، ووسطاء، ونخبًا لا ترى فى الدولة سوى وسيلة للنفوذ أو الوجاهة أو المكاسب. الخارج لا يشترى وطنًا بالقوة، بل يشتريه عندما يجد من يقدّمه بثمن بخس، أو حين يكتشف أن الحراس غائبون.

الأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن تفاوضوا باسم ليبيا لم يفهموا أصلًا لغة المصالح الدولية. لم يميزوا بين التفاوض والتنازل، ولا بين الشراكة والتبعية. فى عالم تحكمه موازين قوى دقيقة، تحوّلت ليبيا إلى ورقة فى أيدى الآخرين، لا لاعبًا يمتلك أوراقه.

من أكثر الصور الرمزية دلالة فى هذا المشهد أن الفرقاء الليبيين نادرًا ما يجتمعون داخل ليبيا نفسها. ليس الأمر خوفًا من العنف فحسب، بل لأن الداخل يكشف هشاشتهم. فى الداخل، لا توجد منصات براقة، ولا كاميرات دولية، ولا شرعية مستعارة. الداخل يعرى ضعفهم، ويفضح خواء تمثيلهم، ويضعهم فى مواجهة واقع لا يستطيعون التحكم فى صورته. أما الخارج، يمنحهم البروتوكول، والصفة، والمنصة، والإحساس الزائف بالقوة. فى الخارج يبدو الجميع «رجال دولة»، وفى الداخل يسقط القناع.

لا يكتب هذا الكتاب تاريخ ليبيا بقدر ما يقدّم تشريحًا أخلاقيًا لنخبتها. ليبيا لم تنهر لأن الخارج كان أقوى فحسب، بل لأنها كانت ممثَّلة بنخبة أضعف من أن تحميها. لم تختطف السيادة قسرًا، بل تُركت بلا حراسة. لم تُسرق الدولة ليلًا، بل وُضعت على الطاولة نهارًا. أخطر ما فى الأزمة الليبية ليس حجم التدخلات الخارجية، بل حجم القابلية الداخلية للبيع. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب. أهميته لا تأتى من كشف وثائق سرية، ولا من إدانة طرف دون آخر، بل من وضع الإصبع على الجرح الأعمق، غياب الحس الوطنى، وتآكل المعنى الأخلاقى للمسؤولية العامة. فالدولة لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد نخبها الإحساس بقداستها السياسية.

ليبيا لم تُدمر بالسلاح وحده، بل دُمّرت حين تحوّل القرار الوطنى إلى ورقة تفاوض شخصية، وحين أصبحت السيادة خطابًا للاستهلاك لا ممارسة تُدافع عنها المؤسسات. وهذا هو الجزء الأصعب فى المأساة الليبية.

تلك هى الرسالة التى يفرضها الكتاب على قارئه، المشكلة لم تكن فقط فى قوة الآخرين، بل فى ضعف الداخل. ومواجهة هذا الضعف هى المعركة الحقيقية التى لم تبدأ بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جرائم النخبة وضياع الأوطان جرائم النخبة وضياع الأوطان



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt