توقيت القاهرة المحلي 12:30:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

  مصر اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أكثر من عشرين عامًا، شاهدتُ المفكر مراد وهبة فى أحد البرامج العربية التى اشتهرت يومها بصناعة «صراع الديوك» على الشاشات، حتى بات الاستفزاز فيها بديلاً عن الحوار. توقفت طويلًا أمام ردود فعل الفيلسوف تجاه محاولات المذيع المتكررة لإخراجه عن هدوئه. كانت ابتسامته الهادئة، وصوته الواثق الراضى، ومنطقة الذى بدا مؤمنًا بأدواته، هى سلاحه الطبيعى. وحين ضاق المذيع بمنطقه، قال له ساخرًا غاضبًا فى آن: «إنت جاى هنا تتفلسف يا دكتور؟»، فأجابه بنفس الابتسامة: «بالطبع أنا أتفلسف، فأنا فيلسوف».

كان غضبى يومها من هذا الاستخفاف بالعقل والمفكر دافعًا لاستضافته لاحقًا فى برنامج كنت أقدمه آنذاك بعنوان «الرأى الثالث». وأظنها من الحلقات التى بقيت قريبة إلى قلبى، رغم أنها من البدايات. من تلك اللحظة، حرصت على متابعة كتاباته وأنشطته بشكل أكثر مما اعتدت، وعلى استمرار التواصل معه.

ثم منحنى الحظ فرصة أعمق، رحلة طويلة من القاهرة إلى أصيلة. كنا معًا لساعات وأيام خمسة، ومعى ابنتى هيا، وكان عمرها وقتها نحو ثمانية عشرة عامًا. راقبتُ الفيلسوف، والفارق بينه وبينها يتجاوز السبعين عامًا، وهو يناقشها بالاهتمام نفسه، والابتسامة نفسها، والهدوء نفسه، والعمق المبسّط ذاته. هناك رأيت صدق إنسانيته وانفتاحه الراضى، مع المختلف عنه فى الفكر والعمر. قد لا أكون اتفقت مع كل ما طرحه من أفكار، لكنى احترمت دومًا قبوله للاختلاف، ومنطقه الهادئ، وقناعاته التى رحبت بالمختلفين معها دون تسفيه أو تعالٍ.

برحيل مراد وهبة، لا نفقد أستاذ فلسفة فقط، بل نفقد نموذجًا نادرًا للمثقف الذى اختار طريقًا شاقًا، مسيرته الأكاديمية لم تكن منفصلة عن معركته الفكرية. فقد كان واحدًا من أبرز دعاة التنوير فى مصر والعالم العربى، وذكّرنا باستمرار بأن العلمانية ليست ضد الدين، بل هى فصل بين «المطلق» و«النسبى»، حمايةً للإيمان من التسييس، وللسياسة من القداسة.

خاض وهبة معاركه الكبرى ضد الأصولية لا بالصراخ، بل بالتفكيك والتحليل. اشتغل على المفاهيم، لا على الأشخاص. وقدم مشروعًا فكريًا متماسكًا لإحياء «الرشدية»، بوصفها تقليدًا عقلانيًا أصيلًا فى الثقافة الإسلامية، لا مستوردًا. كشف أن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة هو المنبع الأعمق للعنف والإرهاب.

لم يكن وهبة فيلسوف برج عاجى، بل مفكرًا حرص على مخاطبة المجال العام. كتب، وحاضر، وناقش، ودفع ثمن مواقفه، فمُنع من التدريس فترة، وتعرض لهجمات متكررة. ومع ذلك، لم يفقد هدوءه، ولم يتخلَّ عن ابتسامته، ولم ينجرّ إلى كراهية خصومه. وحين رحل، بدا مؤلمًا أن يتحول موته إلى ساحة لتصفية الحسابات. لكن حتى هذا الجدل، فى جوهره، شهادة على أثره، فالأفكار الحقيقية لا تمرّ بلا مقاومة.

أظنه، لو كان متابعًا لما دار بعد غيابه من دفاع محترم، وهجوم متجاوز، لظل محتفظًا بابتسامته الهادئة، وتقديره واحترامه لكل المختلفين قبل المتفقين معه.

ذلك أنه، ببساطة، يعرف أن الفلسفة، فى جوهرها، ليست امتلاك الإجابة، بل شرف السؤال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt