توقيت القاهرة المحلي 08:44:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

  مصر اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أكثر من عشرين عامًا، شاهدتُ المفكر مراد وهبة فى أحد البرامج العربية التى اشتهرت يومها بصناعة «صراع الديوك» على الشاشات، حتى بات الاستفزاز فيها بديلاً عن الحوار. توقفت طويلًا أمام ردود فعل الفيلسوف تجاه محاولات المذيع المتكررة لإخراجه عن هدوئه. كانت ابتسامته الهادئة، وصوته الواثق الراضى، ومنطقة الذى بدا مؤمنًا بأدواته، هى سلاحه الطبيعى. وحين ضاق المذيع بمنطقه، قال له ساخرًا غاضبًا فى آن: «إنت جاى هنا تتفلسف يا دكتور؟»، فأجابه بنفس الابتسامة: «بالطبع أنا أتفلسف، فأنا فيلسوف».

كان غضبى يومها من هذا الاستخفاف بالعقل والمفكر دافعًا لاستضافته لاحقًا فى برنامج كنت أقدمه آنذاك بعنوان «الرأى الثالث». وأظنها من الحلقات التى بقيت قريبة إلى قلبى، رغم أنها من البدايات. من تلك اللحظة، حرصت على متابعة كتاباته وأنشطته بشكل أكثر مما اعتدت، وعلى استمرار التواصل معه.

ثم منحنى الحظ فرصة أعمق، رحلة طويلة من القاهرة إلى أصيلة. كنا معًا لساعات وأيام خمسة، ومعى ابنتى هيا، وكان عمرها وقتها نحو ثمانية عشرة عامًا. راقبتُ الفيلسوف، والفارق بينه وبينها يتجاوز السبعين عامًا، وهو يناقشها بالاهتمام نفسه، والابتسامة نفسها، والهدوء نفسه، والعمق المبسّط ذاته. هناك رأيت صدق إنسانيته وانفتاحه الراضى، مع المختلف عنه فى الفكر والعمر. قد لا أكون اتفقت مع كل ما طرحه من أفكار، لكنى احترمت دومًا قبوله للاختلاف، ومنطقه الهادئ، وقناعاته التى رحبت بالمختلفين معها دون تسفيه أو تعالٍ.

برحيل مراد وهبة، لا نفقد أستاذ فلسفة فقط، بل نفقد نموذجًا نادرًا للمثقف الذى اختار طريقًا شاقًا، مسيرته الأكاديمية لم تكن منفصلة عن معركته الفكرية. فقد كان واحدًا من أبرز دعاة التنوير فى مصر والعالم العربى، وذكّرنا باستمرار بأن العلمانية ليست ضد الدين، بل هى فصل بين «المطلق» و«النسبى»، حمايةً للإيمان من التسييس، وللسياسة من القداسة.

خاض وهبة معاركه الكبرى ضد الأصولية لا بالصراخ، بل بالتفكيك والتحليل. اشتغل على المفاهيم، لا على الأشخاص. وقدم مشروعًا فكريًا متماسكًا لإحياء «الرشدية»، بوصفها تقليدًا عقلانيًا أصيلًا فى الثقافة الإسلامية، لا مستوردًا. كشف أن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة هو المنبع الأعمق للعنف والإرهاب.

لم يكن وهبة فيلسوف برج عاجى، بل مفكرًا حرص على مخاطبة المجال العام. كتب، وحاضر، وناقش، ودفع ثمن مواقفه، فمُنع من التدريس فترة، وتعرض لهجمات متكررة. ومع ذلك، لم يفقد هدوءه، ولم يتخلَّ عن ابتسامته، ولم ينجرّ إلى كراهية خصومه. وحين رحل، بدا مؤلمًا أن يتحول موته إلى ساحة لتصفية الحسابات. لكن حتى هذا الجدل، فى جوهره، شهادة على أثره، فالأفكار الحقيقية لا تمرّ بلا مقاومة.

أظنه، لو كان متابعًا لما دار بعد غيابه من دفاع محترم، وهجوم متجاوز، لظل محتفظًا بابتسامته الهادئة، وتقديره واحترامه لكل المختلفين قبل المتفقين معه.

ذلك أنه، ببساطة، يعرف أن الفلسفة، فى جوهرها، ليست امتلاك الإجابة، بل شرف السؤال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة



GMT 08:44 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الاستثمار في الفوضى

GMT 08:41 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

منصة إكس والتحرش الرقمي

GMT 08:39 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

ذبذبات فضائية

GMT 08:37 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

«أطباء» السوشيال ميديا

GMT 08:36 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الصادق النيهوم في فنزويلا وإيران

GMT 08:34 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

وطنيات وجدليات حسام حسن

GMT 08:33 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

حين تتقاطع الجغرافيا مع الهُويَّة

GMT 08:31 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الغرب ونهاية ربع قرن

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 04:34 2017 الخميس ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

طرق مضمونة لتوظيف الشمع في الديكور دون أضرار

GMT 06:29 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين رضا تحل ضيفة في برنامج "هنا العاصمة" الثلاثاء

GMT 14:11 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

باسم مرسي يعود إلى تدريبات الزمالك بعد لقاء الاتحاد

GMT 07:01 2015 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

المطربة ياسمين علي تتألق على مسرح معهد الموسيقي العربية

GMT 02:22 2014 الأربعاء ,26 آذار/ مارس

حديقة "أولهاو" تغّري زوّارها بفضائها الطبيعي

GMT 02:56 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

صناعة الزجاج تُشكل هوية ثقافية كبيرة في فلسطين

GMT 20:23 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ضمّ اسم الوليد بن طلال لصدارة قائمة الفساد في السعودية

GMT 22:09 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

وكيل صالح جمعة يوضح حقيقة سهره في "ملهى ليلي"

GMT 20:32 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

العراق يتسلّم من إيطاليا تمثال "الثور المجنح" بعد إعادة ترميمه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt