توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غابت قامة ولكن يبقى أثر

  مصر اليوم -

غابت قامة ولكن يبقى أثر

بقلم : عبد اللطيف المناوي

المرة الأخيرة التى التقيته فيها كانت قبل أسابيع قليلة، فى عزاء أحد المعارف المشتركين. كان وجهه يحمل ما تحمله الوجوه التى عبرت زمنًا طويلًا من المسؤوليات والتحديات؛ إرهاق السنين، وضغط المعارك، وهدوء مَن يعرف أن لكل شىء حسابًا وتاريخًا. لكن خلف هذا الإرهاق كانت هناك نظرة الحكمة، وعمق المعرفة، وحكمة الصبر التى لا تتكوّن إلا فى مدرسة التجربة الطويلة. كان هادئًا، موزونًا، كما عرفناه دائمًا، رجل قانون قبل أن يكون رجل سلطة. وظل متابعاً ومهتماً، وناقشنى فى بعض ما كتبت.

غيَّب الموت الفقيه القانونى المصرى، وزير التعليم العالى الأسبق، ووزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق، وأستاذ القانون الدولى بجامعة القاهرة، عن عمر ناهز التسعين عامًا، بعد مسيرة علمية ووطنية استثنائية امتدت لعقود.

اسمه سيبقى محفورًا فى الذاكرة الوطنية بوصفه أحد مهندسى معركة استرداد طابا. كان عضوًا فى اللجنة القومية لاستعادة طابا، وعضوًا فى فريق الدفاع المصرى أمام هيئة التحكيم الدولية فى جنيف بين عامى ١٩٨٦ و١٩٨٨. يوم صدر الحكم التاريخى لصالح مصر لم يكن انتصارًا قانونيًا فحسب، بل كان تثبيتًا لمبدأ أن السيادة تُستعاد بالحجة كما تُحمى بالقوة. روى لاحقًا تفاصيل تلك اللحظة، كيف انصبت المعركة على علامات حدودية محددة، وكيف جاء الحكم حاسمًا بأن المواقع التى تمسكت بها مصر هى الصحيحة، لتعود طابا ويرتفع العلم المصرى فى ١٩ مارس ١٩٨٩.

فى مجال القانون الدولى، كان شهاب باحثًا دقيقًا ومنهجيًا. لم يكن أكاديميًا منعزلًا، بل عقلًا قانونيًا حاضرًا فى صلب القرار الوطنى.

وأذكر واقعة تعكس مكانته فى لحظة فارقة من تاريخ مصر الحديث. عندما طلب الرئيس الراحل حسنى مبارك من المشير محمد حسين طنطاوى واللواء عمر سليمان مراجعة الدكتور مفيد شهاب فى قانونية ودستورية إعلان تسليم السلطة للجيش والإجراءات التالية، كان ذلك فى ظرف سياسى شديد الحرج، وتحت ضغط غير مسبوق. فى تلك اللحظة، كان مفيد شهاب هو عامل الضبط الدستورى فى ذهن الرئيس، وصوت القانون الذى لا يغيب حتى فى أوقات العاصفة. لم يكن دوره سياسيًا بقدر ما كان قانونيًا: أن يُبقى الفعل العام داخل حدود الدستور، وأن يذكّر بأن الشرعية لا تُدار بالعاطفة بل بالنصوص. نَعَتْه وزارة الخارجية بوصفه «أحد أبرز الفقهاء القانونيين فى مصر، وعَلَمًا من أعلام القانون»، مشيدة بدوره فى صون سيادة الدولة والدفاع عن مصالحها العليا. كما نعَتْه جامعة القاهرة مؤكدة أنه أحد أعلام الفكر القانونى فى مصر والعالم العربى، وأن أجيالًا من القانونيين والباحثين تخرّجوا على يديه. كان مفيد شهاب طرازًا خاصًا من رجال الدولة، أكاديميًّا صارمًا، ومسؤولًا هادئًا، ورجل قانون يقدّم النص على النزعة، والحجة على الانفعال. لم يكن خطيبًا شعبويًا، ولا لاعبًا فى هوامش السياسة، بل ضابط إيقاع دستورى فى قلبها.

رحم الله مفيد شهاب العالِم الجليل، ورجل الدولة الذى آمن بأن القانون هو الحارس الأخير للأوطان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غابت قامة ولكن يبقى أثر غابت قامة ولكن يبقى أثر



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt