توقيت القاهرة المحلي 19:14:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة

  مصر اليوم -

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

أعادت قضية إبستين تشكيل علاقة الناس بالحقيقة نفسها. فالقضية، بكل ما أحاط بها من صمت وانتقائية وإخفاقات، كسرت افتراضًا كان يبدو بديهيا لدى الرأى العام، أن الحقيقة، مهما تأخرت ستظهر عبر المؤسسات. ما حدث كان العكس تماما. الحقيقة لم تتأخر فقط، بل بدت مجزأة، منقوصة، ومشروطة، وهو ما أحدث شرخا عميقا بين الجمهور والمؤسسات التى يفترض أنها حارسة الحقيقة. لم يعد الجمهور يتعامل مع الرواية الرسمية بوصفها ناقصة، بل بدأ ينظر إليها باعتبارها إحدى الروايات الممكنة، وليست بالضرورة الأكثر صدقًا. ومع كل فجوة تفسيرية، ومع كل وثيقة تُنشر متأخرة، ومع كل اسم يُحاط بالصمت، تتآكل الثقة أكثر، وتُفتح المساحة أمام روايات بديلة.

الروايات البديلة لا تنتشر لأنها دقيقة دائما، بل لأنها تملأ فراغا. حين ترفض المؤسسات الإجابة الكاملة، أو تكتفى بإجابات تقنية باردة، يبحث الناس عن معنى. ونظريات المؤامرة، فى هذا السياق، ليست مجرد هروب من الواقع، بل محاولة لإعادة بناء قصة متماسكة لعالم يبدو مفككًا وغير منطقى. فالعقل البشرى يفضّل قصة مبالغًا فيها لكنها مكتملة، على حقيقة رسمية مبتورة لا تشرح شيئًا. الإعلام ساهم فى هذا التحول. التغطية الانتقائية، والتردد فى تسمية الأشياء بأسمائها، والتركيز على تفاصيل آمنة بدل الأسئلة الجوهرية، جعلت الجمهور يشعر بأن هناك مستويات للحقيقة، مستوى يُقال، ومستوى يُخفى. ومع ظهور ملايين الوثائق لاحقًا، لم يكن رد الفعل الأساسى هو الصدمة من المحتوى، بل الغضب من التوقيت. لماذا الآن؟ ولماذا لم تُقرأ بهذه الطريقة من قبل؟ هذا الإحساس بالتلاعب بالزمن الإعلامى قوّض ما تبقى من الثقة.

من هنا، أصبح الناس أكثر استعدادًا لتصديق الروايات البديلة ليس لأنهم سذّج، بل لأنهم تعلموا الشك. الشك لم يعد موقفا هامشيا، بل أصبح آلية دفاع معرفية. الجمهور لم يعد يسأل، هل هذه الرواية صحيحة؟ بل من المستفيد من هذه الرواية؟ ومن المستفيد من إخفاء غيرها؟ هذا التحول فى السؤال بحد ذاته يعنى أن المؤسسة فقدت موقعها المرجعى.

كما أن قضية إبستين جاءت فى لحظة تاريخية تتسم أصلًا بتآكل الثقة فى النخب، وتصاعد الشعبوية، وانتشار المنصات الرقمية التى تكسر احتكار السرد. فى هذا المناخ، أى فشل مؤسسى يتحول بسرعة إلى دليل اتهام شامل. لم تعد القضية معزولة، بل أُدرجت فى سردية أوسع تقول إن النظام، بكل أذرعه، يحمى نفسه قبل أن يحمى الحقيقة. وهكذا، يصبح تصديق الروايات البديلة نوعًا من التمرد الرمزى على سلطة فقدت مصداقيتها الأخلاقية.

الأخطر أن هذا التحول لا يتوقف عند قضية واحدة. حين يتعود الجمهور على أن الحقيقة الرسمية ناقصة، فإن هذا الشك ينتقل إلى قضايا أخرى: السياسة، الصحة، الاقتصاد، وحتى العلم. وهنا تكمن الكلفة الحقيقية لقضية إبستين ليس فيما كشفته، بل فيما كسرته. لقد كسرت الفكرة القائلة إن المؤسسات، مهما أخطأت، هى الطريق الأكثر أمانًا للوصول إلى الحقيقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة قصة مبالغ فيها مكتملة أفضل من حقيقة مبتورة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt