توقيت القاهرة المحلي 14:21:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التصفيق بديلاً للتفكير

  مصر اليوم -

التصفيق بديلاً للتفكير

بقلم : عبد اللطيف المناوي

بعد خطاب «حالة الاتحاد» الذى ألقاه دونالد ترامب فى الكونجرس، لم يكن الحدث مجرد مناسبة دستورية سنوية، بل لحظة كاشفة لحالة أعمق تعيشها الديمقراطية الأمريكية، وأظن الديمقراطيات الغربية عموماً. أطول خطاب فى التاريخ الحديث، وأعلى منسوب تصفيق حزبى، ومشهد برلمانى بدا أقرب إلى عرض تعبوى منه إلى ساحة مساءلة. هنا يبرز السؤال الكبير: هل أصبحت الشعبوية قدَراً سياسياً للعالم، أم أننا نعيش مرحلة انتقالية قابلة للتصحيح؟.

ما جرى داخل القاعة لم يكن مجرد حماسة سياسية، كان استعراضاً متبادلاً.. رئيس يتقن مخاطبة الغرائز الجمعية، وأغلبية تصفق بإيقاع شبه احتفالى.. فى مشهدٍ ذكّر كثيرين بممارسات برلمانات فى أنظمة تُتهم بأنها «ديمقراطيات شكلية». المفارقة أن هذا يحدث فى أقدم الديمقراطيات المعاصرة، حيث يفترض أن يكون الكونجرس مكانا للنقاش العقلانى لا مسرحاً للتأييد الجماعى.

الشعبوية هنا ليست مجرد خطاب حاد أو وعود مبسطة، إنها أسلوب حكم. تقوم على اختزال التعقيد فى عبارات صادمة، وتحويل السياسة إلى صراع أخلاقى بين «شعب نقى» و»نخبة فاسدة»، وتقديم الزعيم بوصفه المعبّر الحصرى عن الإرادة الشعبية. فى خطاب ترامب، ظهرت هذه العناصر بوضوح، اتهام الخصوم بأنهم يريدون «الغش»، تصوير أمريكا كضحية استغلال داخلى وخارجى، وطرح حلول تبدو مباشرة وسريعة فى مواجهة قضايا شديدة التعقيد. لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بترامب وحده. فالشعبوية لم تعد استثناءً أمريكياً. من أوروبا الشرقية إلى أمريكا اللاتينية، ومن بعض دول آسيا إلى قلب الغرب، نشهد صعوداً لخطاب يستثمر فى القلق الاقتصادى، وفى الخوف من فقدان الهوية، وفى التوترات الثقافية التى غذتها العولمة والهجرة والتحولات الرقمية. إنها ظاهرة عابرة للحدود، مدفوعة بتغيرات جذرية، تراجع الثقة بالمؤسسات، تآكل الطبقة الوسطى، تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعى التى تكافئ الرسائل القصيرة المثيرة لا التحليل المعمق. هل أصبح هذا قدَراً؟. ليس بالضرورة، أو هكذا أتمنى. التاريخ السياسى يُعلمنا أن الموجات الشعبوية غالباً ما تنمو فى لحظات اختلال اقتصادى أو اجتماعى، ثم تتراجع حين تعيد المؤسسات إنتاج شرعيتها. الفرق اليوم أن البيئة الإعلامية الرقمية تضخم الاستقطاب، وتجعل الخطاب الشعبوى أكثر قدرة على الانتشار من أى وقت مضى.

التغيير، إن كان ممكناً، لن يأتى من خطابات مضادة فحسب، بل من معالجة الأسباب العميقة، إعادة بناء الثقة فى المؤسسات، تقديم حلول اقتصادية ملموسة للفئات المتضررة، وإحياء ثقافة سياسية تقوم على النقاش لا الاستعراض. الديمقراطية لا تموت عادة بضربة واحدة، بل تتآكل ببطء حين تتحول من نظام تداول عقلانى للسلطة إلى مسابقة فى إثارة التصفيق.

خطاب ترامب كان علامة على مرحلة، لا نهاية مسار. الشعبوية ليست قدَراً حتمياً، لكنها تصبح كذلك إذا عجزت النخب والمؤسسات عن استعادة المبادرة. السؤال الحقيقى ليس إن كان العالم قد استسلم للشعبوية، بل إن كان قادراً على تجديد ديمقراطيته قبل أن يتحول التصفيق إلى بديل دائم عن التفكير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التصفيق بديلاً للتفكير التصفيق بديلاً للتفكير



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt