توقيت القاهرة المحلي 12:30:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مشروع انفجار جديد (2)

  مصر اليوم -

مشروع انفجار جديد 2

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى الجزء الأول توقفتُ عند الإشارة، عند تلك الإحداثيات التى قد تبدو تقنية فى ظاهرها، لكنها فى هذه الجغرافيا لا تُقرأ إلا باعتبارها سياسة مكتوبة بلغة الخرائط. واليوم، حين ننظر إلى رد الفعل الخليجى، يتضح أن الرسالة لم تمر كإجراء إدارى عابر، بل كإشارة تستدعى يقظة جماعية.

اللافت أن الموقف الخليجى جاء متماسكًا على نحو يعكس تحولًا عميقًا فى مفهوم الأمن الإقليمى. السعودية أعلنت مراقبتها بقلق بالغ، مؤكدة ملكيتها المشتركة مع الكويت للثروات فى المنطقة المقسومة وفق اتفاقيات نافذة، والإمارات أعلنت تضامنها الكامل مع الكويت، فيما تحركت الكويت دبلوماسيًا باستدعاء القائم بالأعمال العراقى وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية. هذه الاستجابة لم تكن تصعيدية، لكنها كانت واضحة فى دلالتها، السيادة لم تعد شأنًا ثنائيًا ضيقًا، بل جزءًا من منظومة تضامن أوسع.

لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا، لماذا تبدو خرائط المنطقة قابلة دائمًا لإعادة النقاش؟ جزء من الإجابة يكمن فى طبيعة الجغرافيا الخليجية نفسها، حيث تتداخل المياه الإقليمية، وتتشابك المصالح الاقتصادية، وتتعقد حسابات الموانئ والممرات البحرية. البحر هنا ليس فضاءً مفتوحًا فقط، بل خزان طاقة محتمل، وممر تجارة حيوى، وحدًّا سياديًا شديد الحساسية. أى تغيير، حتى لو كان فى صياغة الإحداثيات، يُقرأ كاحتمال لإعادة توزيع نفوذ وثروات.

وجزء آخر من الإجابة يتعلق بطبيعة العلاقة العراقية– الكويتية. صحيح أن المسار منذ ٢٠٠٣ شهد محاولات جدية لإعادة بناء الثقة، وتسويات للديون والتعويضات، وزيارات متبادلة، لكن الذاكرة الجمعية فى الخليج لا تزال تحتفظ بظل ١٩٩٠. التاريخ فى هذه المنطقة ليس ماضيًا منتهيًا، بل عنصرًا حاضرًا فى تفسير كل خطوة. ولذلك، فإن أى التباس فى ملف الحدود، مهما كانت دوافعه، يتحول سريعًا إلى اختبار نوايا.

المنطقة اليوم لا تحتمل رفاهية أزمة حدودية جديدة. حرب غزة، التوتر فى البحر الأحمر، الاستقطاب بين محاور إقليمية، والتحولات فى موازين القوى الدولية، كلها تجعل أى احتكاك إضافى عبئًا استراتيجيًا. فى هذا السياق، تبدو الحكمة فى نقل الملف إلى مساره الطبيعى، لجان فنية مشتركة، تفسير قانونى مشترك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أو حتى اللجوء إلى آليات التحكيم إن لزم الأمر. القانون الدولى ليس مجرد نصوص، بل آلية لخفض حرارة السياسة.

الأهم من ذلك أن تُدار الأزمة بعيدًا عن الاستثمار الداخلى أو المزايدات الإعلامية. فى ١٩٩٠ بدأت الأمور بإشارات لم تُقرأ جيدًا، وبافتراضات خاطئة عن حدود الضغط السياسى الممكن. التاريخ علّم المنطقة أن سوء تقدير حساسيات السيادة فى الخليج خطأ مكلف للغاية.

ربما تكون اللحظة الحالية فرصة لإعادة تثبيت مبدأ بسيط لكنه حاسم: أن الحدود التى رُسمت بعد حرب مدمرة ليست مساحة اختبار، بل قاعدة استقرار. فالخرائط ليست خطوطًا جامدة، بل تعبير عن توازنات وسيادات وذاكرة جماعية. وأى تعديل فيها، حتى لو كان تقنيًا، يحتاج إلى حساسية سياسية بحجم التاريخ الذى يقف خلفه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشروع انفجار جديد 2 مشروع انفجار جديد 2



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt