توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مشروع انفجار جديد (2)

  مصر اليوم -

مشروع انفجار جديد 2

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى الجزء الأول توقفتُ عند الإشارة، عند تلك الإحداثيات التى قد تبدو تقنية فى ظاهرها، لكنها فى هذه الجغرافيا لا تُقرأ إلا باعتبارها سياسة مكتوبة بلغة الخرائط. واليوم، حين ننظر إلى رد الفعل الخليجى، يتضح أن الرسالة لم تمر كإجراء إدارى عابر، بل كإشارة تستدعى يقظة جماعية.

اللافت أن الموقف الخليجى جاء متماسكًا على نحو يعكس تحولًا عميقًا فى مفهوم الأمن الإقليمى. السعودية أعلنت مراقبتها بقلق بالغ، مؤكدة ملكيتها المشتركة مع الكويت للثروات فى المنطقة المقسومة وفق اتفاقيات نافذة، والإمارات أعلنت تضامنها الكامل مع الكويت، فيما تحركت الكويت دبلوماسيًا باستدعاء القائم بالأعمال العراقى وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية. هذه الاستجابة لم تكن تصعيدية، لكنها كانت واضحة فى دلالتها، السيادة لم تعد شأنًا ثنائيًا ضيقًا، بل جزءًا من منظومة تضامن أوسع.

لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا، لماذا تبدو خرائط المنطقة قابلة دائمًا لإعادة النقاش؟ جزء من الإجابة يكمن فى طبيعة الجغرافيا الخليجية نفسها، حيث تتداخل المياه الإقليمية، وتتشابك المصالح الاقتصادية، وتتعقد حسابات الموانئ والممرات البحرية. البحر هنا ليس فضاءً مفتوحًا فقط، بل خزان طاقة محتمل، وممر تجارة حيوى، وحدًّا سياديًا شديد الحساسية. أى تغيير، حتى لو كان فى صياغة الإحداثيات، يُقرأ كاحتمال لإعادة توزيع نفوذ وثروات.

وجزء آخر من الإجابة يتعلق بطبيعة العلاقة العراقية– الكويتية. صحيح أن المسار منذ ٢٠٠٣ شهد محاولات جدية لإعادة بناء الثقة، وتسويات للديون والتعويضات، وزيارات متبادلة، لكن الذاكرة الجمعية فى الخليج لا تزال تحتفظ بظل ١٩٩٠. التاريخ فى هذه المنطقة ليس ماضيًا منتهيًا، بل عنصرًا حاضرًا فى تفسير كل خطوة. ولذلك، فإن أى التباس فى ملف الحدود، مهما كانت دوافعه، يتحول سريعًا إلى اختبار نوايا.

المنطقة اليوم لا تحتمل رفاهية أزمة حدودية جديدة. حرب غزة، التوتر فى البحر الأحمر، الاستقطاب بين محاور إقليمية، والتحولات فى موازين القوى الدولية، كلها تجعل أى احتكاك إضافى عبئًا استراتيجيًا. فى هذا السياق، تبدو الحكمة فى نقل الملف إلى مساره الطبيعى، لجان فنية مشتركة، تفسير قانونى مشترك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أو حتى اللجوء إلى آليات التحكيم إن لزم الأمر. القانون الدولى ليس مجرد نصوص، بل آلية لخفض حرارة السياسة.

الأهم من ذلك أن تُدار الأزمة بعيدًا عن الاستثمار الداخلى أو المزايدات الإعلامية. فى ١٩٩٠ بدأت الأمور بإشارات لم تُقرأ جيدًا، وبافتراضات خاطئة عن حدود الضغط السياسى الممكن. التاريخ علّم المنطقة أن سوء تقدير حساسيات السيادة فى الخليج خطأ مكلف للغاية.

ربما تكون اللحظة الحالية فرصة لإعادة تثبيت مبدأ بسيط لكنه حاسم: أن الحدود التى رُسمت بعد حرب مدمرة ليست مساحة اختبار، بل قاعدة استقرار. فالخرائط ليست خطوطًا جامدة، بل تعبير عن توازنات وسيادات وذاكرة جماعية. وأى تعديل فيها، حتى لو كان تقنيًا، يحتاج إلى حساسية سياسية بحجم التاريخ الذى يقف خلفه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشروع انفجار جديد 2 مشروع انفجار جديد 2



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt