توقيت القاهرة المحلي 12:41:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

استعمار بريطانيا

  مصر اليوم -

استعمار بريطانيا

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تكن عبارة «بريطانيا استُعمرت من قبل المهاجرين» مجرد تعليق عابر لرجل أعمال ثرى، بل تحولت إلى لحظة سياسية كاشفة عن تغير أعمق فى المزاج العام داخل بريطانيا وأوروبا. فالتصريحات التى أطلقها الملياردير البريطانى جيم راتكليف، الشريك فى ملكية نادى مانشستر يونايتد، أثارت عاصفة من الانتقادات السياسية والإعلامية، دفعت رئيس الوزراء كير ستارمر إلى إدانتها واعتبارها «مسيئة وخاطئة» وتهدد التماسك الاجتماعى. لكن ما جرى لا يمكن قراءته فقط بوصفه صداماً بين رجل أعمال ورئيس حكومة، بل هو تعبير عن لحظة أوروبية تتغير فيها اللغة السياسية نفسها. «راتكليف» ربط بين ارتفاع أعداد المهاجرين ووجود «تسعة ملايين شخص يعيشون على الإعانات»، معتبراً أن هذا المزيج «يكلف الاقتصاد كثيراً». ورغم أن مكتب الإحصاءات الوطنية دحض جزءاً من أرقامه، فإن جوهر الجدل لم يكن إحصائياً بقدر ما كان لغوياً ورمزياً. استخدام كلمة «استعمار» فى توصيف الهجرة ليس محايداً، فهو مصطلح مشحون تاريخياً وأيديولوجياً، يتردد كثيراً فى خطاب اليمين المتطرف الأوروبى لوصف المهاجرين باعتبارهم «غزاة» أو تهديداً ديموغرافياً. رد الفعل الرسمى جاء سريعاً. ستارمر شدد على أن بريطانيا «بلد فخور ومتسامح ومتنوع»، وأن مثل هذا الخطاب يخدم من يريد تقسيم المجتمع. وزيرة المالية وصفت التعليقات بأنها «غير مقبولة». مجموعات مشجعى مانشستر يونايتد، خاصة رابطة المشجعين المسلمين، رأت أن لغة «راتكليف» تضفى شرعية على خطاب الكراهية. المفارقة أن الفريق الذى يملك فيه الرجل حصة مؤثرة يعتمد على لاعبين وموظفين من خلفيات دولية متعددة، ما يعكس الطابع الكونى الذى قامت عليه كرة القدم الإنجليزية الحديثة. غير أن الأهم من الجدل الأخلاقى هو ما تكشفه هذه الواقعة عن تغير فى المناخ الأوروبى. بريطانيا، التى كانت تُقدَّم طويلاً باعتبارها ملاذاً آمناً للمهاجرين وواحدة من أكثر المجتمعات انفتاحاً، تعيش منذ «بريكست» تحولات عميقة فى تعريفها لهويتها وحدودها. الهجرة أصبحت محوراً مركزياً فى السياسة البريطانية، كما فى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. أحزاب يمينية وشعبوية صعدت مستفيدة من قلق الطبقات الوسطى والعمالية بشأن الوظائف، والخدمات العامة، والهوية الثقافية. «راتكليف»، الذى يقيم فى موناكو منذ عام ٢٠٢٠ لأسباب ضريبية، ليس سياسياً حزبياً، لكنه يعكس صوت شريحة من النخبة الاقتصادية التى ترى أن نموذج الدولة الاجتماعية لم يعد قابلاً للاستمرار فى ظل ضغوط الهجرة والإنفاق العام. فى الوقت نفسه، يعكس الهجوم عليه حساسية متزايدة تجاه اللغة التى يمكن أن تُفسَّر كتحريض أو تبسيط مخلّ لقضايا معقدة. فالهجرة فى بريطانيا، كما تظهر البيانات الرسمية، ساهمت فى سد فجوات سوق العمل، خاصة فى الصحة والرعاية والخدمات، لكنها أيضاً فرضت تحديات على البنية التحتية والإسكان والخدمات. المفارقة أن «راتكليف» تراجع جزئياً لاحقاً، معرباً عن أسفه «لاختيار الكلمات» التى سببت قلقاً، ومؤكداً أهمية «الهجرة المنظمة والفعالة». هذا التراجع يكشف إدراكاً بأن حدود الخطاب العام فى بريطانيا لا تزال قائمة حتى فى ظل تغير المزاج، فالنقاش حول الهجرة مشروع، لكن تحويله إلى استعارات استعمارية يفتح الباب أمام استقطاب خطير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

استعمار بريطانيا استعمار بريطانيا



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt