بقلم: عبد اللطيف المناوي
يبدأ تآكل الطبقة الوسطى حين تصبح تكاليف الحفاظ على حياتها أعلى من قدرتها على الاحتمال. لا تحتاج الأسرة إلى السقوط رسمياً تحت خط الفقر كى تفقد موقعها. يكفى أن تستهلك مصروفات التعليم والعلاج والسكن والمواصلات معظم دخلها، وأن يصبح الادخار مستحيلا، وأن تتحول أى أزمة صحية أو فقدان وظيفة إلى تهديد لمستقبلها كله.
فى مصر يظهر التآكل أحياناً خلف مظهر اجتماعى لم يتغير بعد. تحتفظ الأسرة بمسكنها وتعليم أبنائها وبعض عاداتها، لكنها تمول ذلك بالاستدانة أو بيع المدخرات أو العمل فى أكثر من وظيفة. يبدو البناء قائماً من الخارج، بينما تتآكل أساساته بصمت. ولهذا لا تكشف أرقام الدخل وحدها حقيقة ما يجرى، الأهم هو ما يستطيع الدخل أن يشتريه من أمان وفرص ووقت وكرامة.
والخسارة لا تقتصر على الاستهلاك. حين ينشغل المدرس أو الطبيب أو الصحفى أو الموظف بتدبير احتياجاته الأساسية، تقل طاقته للتعلم والتطوير والمشاركة العامة. يتراجع شراء الكتب وحضور المسرح والسفر الداخلى والنشاط التطوعى، لا لأن الناس فقدوا اهتمامهم بالثقافة، بل لأن النجاة اليومية أصبحت أولوية. ومع الوقت، يضعف الجمهور الذى يحمى الإنتاج الجيد، ويعلو ما هو أسرع وأرخص وأكثر إثارة.
أما التعليم الذى كان المصعد الرئيسى للطبقة الوسطى، فقد تحول إلى عبء يهددها. حين تفقد المدرسة العامة قدرتها، تضطر الأسرة إلى الدروس والتعليم الخاص، فتدفع مرتين، مرة الضرائب، وأخرى للحصول على خدمة مقبولة. والشىء نفسه يحدث فى العلاج والنقل. هنا لا تتراجع الخدمة العامة فقط، يتراجع مبدأ تكافؤ الفرص، ويبدأ الموقع الاجتماعى للأسرة فى الانتقال بالوراثة بدلًا من أن يتغير بالكفاءة.
سياسياً تنتج الطبقة الوسطى المتآكلة مشاعر متناقضة. قد تتمسك بالاستقرار خوفاً من فقدان ما بقى، وقد تنجذب إلى الغضب والخطابات الحادة لأنها لا ترى طريقا واقعيا للتحسن. وقد تختار الانسحاب الكامل من المجال العام. وفى الحالات الثلاث يخسر المجتمع قوة الاعتدال والمراجعة، وتتسع المسافة بين القمة والقاعدة.
ومن نتائج التآكل أيضًا هجرة الكفاءات، أو انسحابها الداخلى. فمن يستطيع الرحيل يبحث عن أفق أكثر أماناً، ومن يبقى قد يكتفى بأداء الحد الأدنى. وفى الحالتين تخسر الدولة خبرة أنفقت سنوات فى تكوينها، ويضعف التجدد داخل مؤسساتها.
حماية الطبقة الوسطى لا تكون بإعانات مؤقتة وحدها، ولا بمحاولة تثبيت نمط استهلاك لم يعد ممكناً. المطلوب إعادة بناء الشروط التى تنتجها: تعليم وصحة عامان بجودة محترمة، وظائف منتجة وأجور ترتبط بالكفاءة، ضرائب أكثر عدالة، دعم للمشروعات الصغيرة، سكن ونقل يمكن تحملهما، وقواعد تمنع الاحتكار والامتياز غير المستحق.
إنقاذها ليس انحيازا لفئة على حساب الفقراء، فالمجتمع الذى تتسع فيه الطبقة الوسطى يتيح للفقراء طريقاً للصعود، بينما المجتمع الذى تنكمش فيه يحبسهم فى مواقعهم. لذلك فإن حمايتها ليست سياسة اجتماعية جانبية، بل استثمار فى الاعتدال والاستقرار والتعليم والثقافة والدولة المدنية.