توقيت القاهرة المحلي 11:42:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماذا نخسر حين تتآكل الطبقة الوسطى؟

  مصر اليوم -

ماذا نخسر حين تتآكل الطبقة الوسطى

بقلم: عبد اللطيف المناوي

يبدأ تآكل الطبقة الوسطى حين تصبح تكاليف الحفاظ على حياتها أعلى من قدرتها على الاحتمال. لا تحتاج الأسرة إلى السقوط رسمياً تحت خط الفقر كى تفقد موقعها. يكفى أن تستهلك مصروفات التعليم والعلاج والسكن والمواصلات معظم دخلها، وأن يصبح الادخار مستحيلا، وأن تتحول أى أزمة صحية أو فقدان وظيفة إلى تهديد لمستقبلها كله.

فى مصر يظهر التآكل أحياناً خلف مظهر اجتماعى لم يتغير بعد. تحتفظ الأسرة بمسكنها وتعليم أبنائها وبعض عاداتها، لكنها تمول ذلك بالاستدانة أو بيع المدخرات أو العمل فى أكثر من وظيفة. يبدو البناء قائماً من الخارج، بينما تتآكل أساساته بصمت. ولهذا لا تكشف أرقام الدخل وحدها حقيقة ما يجرى، الأهم هو ما يستطيع الدخل أن يشتريه من أمان وفرص ووقت وكرامة.

والخسارة لا تقتصر على الاستهلاك. حين ينشغل المدرس أو الطبيب أو الصحفى أو الموظف بتدبير احتياجاته الأساسية، تقل طاقته للتعلم والتطوير والمشاركة العامة. يتراجع شراء الكتب وحضور المسرح والسفر الداخلى والنشاط التطوعى، لا لأن الناس فقدوا اهتمامهم بالثقافة، بل لأن النجاة اليومية أصبحت أولوية. ومع الوقت، يضعف الجمهور الذى يحمى الإنتاج الجيد، ويعلو ما هو أسرع وأرخص وأكثر إثارة.

أما التعليم الذى كان المصعد الرئيسى للطبقة الوسطى، فقد تحول إلى عبء يهددها. حين تفقد المدرسة العامة قدرتها، تضطر الأسرة إلى الدروس والتعليم الخاص، فتدفع مرتين، مرة الضرائب، وأخرى للحصول على خدمة مقبولة. والشىء نفسه يحدث فى العلاج والنقل. هنا لا تتراجع الخدمة العامة فقط، يتراجع مبدأ تكافؤ الفرص، ويبدأ الموقع الاجتماعى للأسرة فى الانتقال بالوراثة بدلًا من أن يتغير بالكفاءة.

سياسياً تنتج الطبقة الوسطى المتآكلة مشاعر متناقضة. قد تتمسك بالاستقرار خوفاً من فقدان ما بقى، وقد تنجذب إلى الغضب والخطابات الحادة لأنها لا ترى طريقا واقعيا للتحسن. وقد تختار الانسحاب الكامل من المجال العام. وفى الحالات الثلاث يخسر المجتمع قوة الاعتدال والمراجعة، وتتسع المسافة بين القمة والقاعدة.

ومن نتائج التآكل أيضًا هجرة الكفاءات، أو انسحابها الداخلى. فمن يستطيع الرحيل يبحث عن أفق أكثر أماناً، ومن يبقى قد يكتفى بأداء الحد الأدنى. وفى الحالتين تخسر الدولة خبرة أنفقت سنوات فى تكوينها، ويضعف التجدد داخل مؤسساتها.

حماية الطبقة الوسطى لا تكون بإعانات مؤقتة وحدها، ولا بمحاولة تثبيت نمط استهلاك لم يعد ممكناً. المطلوب إعادة بناء الشروط التى تنتجها: تعليم وصحة عامان بجودة محترمة، وظائف منتجة وأجور ترتبط بالكفاءة، ضرائب أكثر عدالة، دعم للمشروعات الصغيرة، سكن ونقل يمكن تحملهما، وقواعد تمنع الاحتكار والامتياز غير المستحق.

إنقاذها ليس انحيازا لفئة على حساب الفقراء، فالمجتمع الذى تتسع فيه الطبقة الوسطى يتيح للفقراء طريقاً للصعود، بينما المجتمع الذى تنكمش فيه يحبسهم فى مواقعهم. لذلك فإن حمايتها ليست سياسة اجتماعية جانبية، بل استثمار فى الاعتدال والاستقرار والتعليم والثقافة والدولة المدنية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا نخسر حين تتآكل الطبقة الوسطى ماذا نخسر حين تتآكل الطبقة الوسطى



GMT 10:25 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أول عسكري وآخر مدني... فرصة لرد الجميل

GMT 10:24 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لا يخفى شيءٌ في الكرَك!

GMT 10:22 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

من يحاصر تعز لا ينصر غزة!

GMT 10:20 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

العراق بين الاكتفاء الذاتي وأزمة إمدادات البنزين

GMT 10:19 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

امتحان لا مهرب منه

GMT 10:17 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الشرق الأوسط بين انتخابين

GMT 10:15 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الجائزة التي ينتظرها (خروج آمن)

GMT 10:13 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الدماطي وخروج بني إسرائيل

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%
  مصر اليوم - لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%

GMT 11:48 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح
  مصر اليوم - مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح

GMT 23:09 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 22:59 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 06:44 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أفضل 10 وجهات سياحية دافئة للشتاء

GMT 14:08 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

تجدد حبس قاتلى الطفلة "فاطمة" 15 يومًا على ذمة التحقيقات

GMT 17:03 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

تفاصيل وصول 97 فرنسيا لمطار مرسى علم الدولي

GMT 04:17 2015 الجمعة ,02 تشرين الأول / أكتوبر

"هيونداي" تكشف النقاب عن سيارتها الجديدة "توسان"

GMT 11:14 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

لا ترجعي...! :

GMT 14:43 2024 الثلاثاء ,17 أيلول / سبتمبر

أحمد مالك وطه دسوقي يجتمعان في "ولاد الشمس" رمضان 2025

GMT 15:14 2021 الثلاثاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

النحات المصري أحمد موسى يكشف كواليس صنعه لتمثال ممشى أهل مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt