توقيت القاهرة المحلي 12:30:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب: قوة أم انكماش؟ (٢)

  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش ٢

بقلم : عبد اللطيف المناوي

استمرارا لمحاولة الإجابة عن سؤال عن قوة أوروبا فى عهد ترامب الثانى نستكمل تحليل الواقع مع نهاية هذا العام.

مكمن الضعف الحقيقى فى الحالة الأوروبية أن أوروبا أقوى فى مؤسساتها وقدراتها التقنية، لكنها أضعف فى وجدانها السياسى الموحد، وفى قدرتها على إنتاج سردية جامعة تُقنع مواطنيها بأن هذا التحول ضرورة وجودية لا نزوة سياسية.

ما يبدو أن أوروبا تبنى، خطوة بعد أخرى، ما يمكن وصفه بـ«القوة الصلبة»، لكنها تدفع فى المقابل ثمنًا داخليًا قد يغذى الشعبوية والانقسام والتشكيك فى المشروع الأوروبى نفسه. وهذا بالتحديد ما يجعلها تبدو أحيانًا أضعف سياسيًا حتى وهى تتقوى ماديًا.

هل يستمر الاتحاد الأوروبى أم يتفكك؟ الخطر الحقيقى لا يكمن فى «تفكك الشكل»، بل فى «تفكك الوظيفة». الحديث عن انهيار الاتحاد جذاب من الناحية الصحفية، لكنه غير دقيق فى هذه المرحلة. السيناريو الأكثر واقعية هو اتحاد يستمر شكليًا، لكنه يتشقق وظيفيًا. اتحاد قوى فى مجالات التجارة والطاقة والعقوبات والتمويل المشترك لأوكرانيا، لكنه أقل قدرة على إنتاج سياسة خارجية موحدة بالسرعة والحسم المطلوبين. اتحاد قد يتحول إلى دوائر متداخلة: قلب دفاعى وصناعى تقوده الدول التى تشعر بتهديد وجودى مباشر، خاصة فى الشرق والشمال، مقابل أطراف أخرى تُساير أو تُمانع أو تُبطئ وفق حساباتها الداخلية.

السبب فى ذلك ليس غياب الإرادة الأوروبية، بل اختلاف تعريف الخطر ذاته بين الأوروبيين. بولندا ودول البلطيق ترى روسيا خطرًا حاضرًا الآن، بينما ترى قطاعات واسعة فى الغرب والجنوب أن الخطر الحقيقى يكمن فى التضخم، والهجرة، وانكماش الصناعة، وتآكل العقد الاجتماعى. ومع ذلك، يبقى الاتحاد قائمًا، لأن الانفصال بات مكلفًا إلى حدٍ يجعل «الوطنية الخالصة» أقل قدرة على إدارة الأزمات.

الطاقة، والعملة، وسلاسل التوريد، والحدود، والهجرة، كلها عوامل تشدّ أوروبا إلى بعضها، حتى وهى تتجادل حول الاتجاه والسرعة.

فى هذا السياق، تبدو أوروبا فى عهد ترامب أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تتحول إلى قوة واقعية قادرة على التكيف مع عالم خشن، ولو على حساب بعض من رومانسيتها التأسيسية، أو أن تنكمش تدريجيًا إلى مجرد جغرافيا واسعة تُدار من الخارج. السؤال لم يعد نظريًا بل وجوديًا، وإجابته ستُكتب بقرارات صعبة، لا بخطب جميلة.

الخلاصة القاسية أن أوروبا تتحول ببطء وألم، إلى قوة أكثر صلابة، وأكثر انقسامًا داخليًا. مستقبلها لن يُحسم فى موسكو أو واشنطن أو بكين وحدها، بل فى قدرتها على إقناع مواطنيها بأن الاستثمار فى الأمن والطاقة والحدود ليس تخليًا عن النموذج الأوروبى، بل شرط إنقاذه. إذا فشلت فى هذه المعادلة، قد تخرج من عصر ترامب أقوى عسكريًا، لكنها أضعف كفكرة جامعة. وإذا نجحت، فقد تتحول من «قارة قلقة» إلى فاعل يحسب له العالم حسابًا، لا لأنه مثالى، بل لأنه تعلّم أخيرًا كيف يحمى نفسه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش ٢ أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش ٢



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt