توقيت القاهرة المحلي 16:31:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب: قوة أم انكماش؟ (٢)

  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش ٢

بقلم : عبد اللطيف المناوي

استمرارا لمحاولة الإجابة عن سؤال عن قوة أوروبا فى عهد ترامب الثانى نستكمل تحليل الواقع مع نهاية هذا العام.

مكمن الضعف الحقيقى فى الحالة الأوروبية أن أوروبا أقوى فى مؤسساتها وقدراتها التقنية، لكنها أضعف فى وجدانها السياسى الموحد، وفى قدرتها على إنتاج سردية جامعة تُقنع مواطنيها بأن هذا التحول ضرورة وجودية لا نزوة سياسية.

ما يبدو أن أوروبا تبنى، خطوة بعد أخرى، ما يمكن وصفه بـ«القوة الصلبة»، لكنها تدفع فى المقابل ثمنًا داخليًا قد يغذى الشعبوية والانقسام والتشكيك فى المشروع الأوروبى نفسه. وهذا بالتحديد ما يجعلها تبدو أحيانًا أضعف سياسيًا حتى وهى تتقوى ماديًا.

هل يستمر الاتحاد الأوروبى أم يتفكك؟ الخطر الحقيقى لا يكمن فى «تفكك الشكل»، بل فى «تفكك الوظيفة». الحديث عن انهيار الاتحاد جذاب من الناحية الصحفية، لكنه غير دقيق فى هذه المرحلة. السيناريو الأكثر واقعية هو اتحاد يستمر شكليًا، لكنه يتشقق وظيفيًا. اتحاد قوى فى مجالات التجارة والطاقة والعقوبات والتمويل المشترك لأوكرانيا، لكنه أقل قدرة على إنتاج سياسة خارجية موحدة بالسرعة والحسم المطلوبين. اتحاد قد يتحول إلى دوائر متداخلة: قلب دفاعى وصناعى تقوده الدول التى تشعر بتهديد وجودى مباشر، خاصة فى الشرق والشمال، مقابل أطراف أخرى تُساير أو تُمانع أو تُبطئ وفق حساباتها الداخلية.

السبب فى ذلك ليس غياب الإرادة الأوروبية، بل اختلاف تعريف الخطر ذاته بين الأوروبيين. بولندا ودول البلطيق ترى روسيا خطرًا حاضرًا الآن، بينما ترى قطاعات واسعة فى الغرب والجنوب أن الخطر الحقيقى يكمن فى التضخم، والهجرة، وانكماش الصناعة، وتآكل العقد الاجتماعى. ومع ذلك، يبقى الاتحاد قائمًا، لأن الانفصال بات مكلفًا إلى حدٍ يجعل «الوطنية الخالصة» أقل قدرة على إدارة الأزمات.

الطاقة، والعملة، وسلاسل التوريد، والحدود، والهجرة، كلها عوامل تشدّ أوروبا إلى بعضها، حتى وهى تتجادل حول الاتجاه والسرعة.

فى هذا السياق، تبدو أوروبا فى عهد ترامب أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تتحول إلى قوة واقعية قادرة على التكيف مع عالم خشن، ولو على حساب بعض من رومانسيتها التأسيسية، أو أن تنكمش تدريجيًا إلى مجرد جغرافيا واسعة تُدار من الخارج. السؤال لم يعد نظريًا بل وجوديًا، وإجابته ستُكتب بقرارات صعبة، لا بخطب جميلة.

الخلاصة القاسية أن أوروبا تتحول ببطء وألم، إلى قوة أكثر صلابة، وأكثر انقسامًا داخليًا. مستقبلها لن يُحسم فى موسكو أو واشنطن أو بكين وحدها، بل فى قدرتها على إقناع مواطنيها بأن الاستثمار فى الأمن والطاقة والحدود ليس تخليًا عن النموذج الأوروبى، بل شرط إنقاذه. إذا فشلت فى هذه المعادلة، قد تخرج من عصر ترامب أقوى عسكريًا، لكنها أضعف كفكرة جامعة. وإذا نجحت، فقد تتحول من «قارة قلقة» إلى فاعل يحسب له العالم حسابًا، لا لأنه مثالى، بل لأنه تعلّم أخيرًا كيف يحمى نفسه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش ٢ أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش ٢



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt