توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا لم يغضب شعب فنزويلا؟

  مصر اليوم -

لماذا لم يغضب شعب فنزويلا

بقلم : عبد اللطيف المناوي

السؤال الذى تردّد باستغراب بعد اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو لم يكن سؤالًا عسكريًا ولا قانونيًا بل سؤالًا اجتماعيًا بامتياز: لماذا لم يخرج الشعب؟ لماذا لم تنفجر الشوارع؟ لماذا مرّ مشهد إهانة السيادة واعتقال رئيس الدولة بهذا القدر من البرود؟

الإجابة التى قدّمها أكثر من معلق ومحلل، ومرّت ربما سريعًا على الشاشات، كانت كاشفة بقدر ما كانت قاسية، الشعوب الجائعة، المنهكة، لا تدافع عن رموز سياسية، ولا تعبأ بالإهانات السيادية.

هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل توصيف لحالة نفسية- اجتماعية معروفة فى علم الاجتماع السياسى، حين تتحوّل الدولة من إطار حماية إلى عبء، ومن معنى إلى أداة قهر، يبدأ الانفصال العاطفى بين الناس و«الوطن» كما تمثّله السلطة.

الوطن، فى وعى الناس، ليس خريطة ولا نشيدًا فقط.

الوطن أمان، قدرة على العيش، أفق، معنى. وعندما يغيب ذلك طويلًا، تتحوّل السيادة إلى مفهوم مجرّد لا يستدعى التضحية.

فى فنزويلا، لم يصل الناس إلى اللامبالاة فجأة. سنوات من الانهيار المعيشى، تضخم غير مسبوق، فقدان الأدوية، هجرة الملايين، وانسداد الأفق، صنعت حالة من الإرهاق الجمعى. فى هذه الحالة، لا يعود السؤال «هل أُهينت السيادة؟» بل «ماذا بقى لى أدافع عنه؟».

المفارقة المؤلمة أن فنزويلا دولة نفطية. ومع الوقت، تشكّل وعى اجتماعى مختلف، الدولة تملك الثروة، لكن لا توزّع الحياة.

فى مثل هذه الظروف يتغيّر معنى «التخلى».

لم تعد إهانة وتخلى أن يسقط الحاكم، بل أن يُطلب من الناس الدفاع عنه باسم وطن لم يشعروا أنه دافع عنهم يومًا. لهذا لم يكن غياب الغضب الشعبى نتيجة «تواطؤ» بقدر ما كان نتيجة انفصال. انفصال بين القائد والناس، وبين الناس والدولة، وبين الوطن كفكرة والوطن كحياة يومية.

السلطات الأمريكية، بحسب ما نشر من معلومات، راهنت على هذا العامل تحديدًا، لا مقاومة شعبية، لا تعبئة جماهيرية، لا «فيتنام» جديدة. وحين تقدر أجهزة الاستخبارات أن المجتمع وصل إلى مرحلة اللامبالاة العميقة يصبح التدخل الخارجى أسهل، أخطر، لكنه أقل تكلفة.

وهنا بيت القصيد الأهم، حين تفقد السلطة تعاطف الناس، تفقد معها آخر خطوط الدفاع عن السيادة. ليس لأن الناس لا تحب أوطانها، بل لأن الوطن كما يعيشونه تخلى عنهم أولًا. الغربة هنا لا تبدأ خارج الحدود، بل داخلها.

الدرس قاسٍ لكنه واضح، السيادة لا تُحمى بالخطابات، ولا بالرموز، ولا حتى بالقوة العسكرية وحدها. السيادة تُحمى حين يشعر المواطن أن له ما يخسره إن سقطت الدولة، وحين يرى فى الوطن امتدادًا لكرامته لا عبئًا على حياته.

أما حين يتحوّل الوطن إلى اسم بلا مضمون كما حدث فى فنزويلا، فإن سقوط مادورو لم يوقظ الغضب، بل مر كخبرٍ آخر فى يومٍ طويل من التعب.

لكن كل هذا لا يسقط أن هناك جريمة أمريكية وانتهاكا لكل القوانين والأعراف الدولية.. كل ما ذكرناه لا يصلح لتبرير الجريمة التى وقعت.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا لم يغضب شعب فنزويلا لماذا لم يغضب شعب فنزويلا



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt