توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين تتحدث الدولة بلغة العالم

  مصر اليوم -

حين تتحدث الدولة بلغة العالم

بقلم : عبد اللطيف المناوي

حين كتبتُ بالأمس أن حضور الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى دافوس، حتى لو كان الهدف المعلن أو الرئيسى هو اللقاء المرتقب مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يمكن أن يكون ذا تأثير إيجابى بالغ، بشرط أن يُدار بالصيغة التى تفهم جيدًا لغة هذا العالم وطبيعة دوائره المؤثرة، لم يكن ذلك تفاؤلًا مجانيًا، بل قراءة لتجربة تراكمت عبر سنوات.

اليوم، وبعد مشاركة الرئيس، يمكن القول بوضوح إن هذا الشرط قد تحقق.

فما قُدِّم فى دافوس لم يكن مجرد حضور بروتوكولى، بل خطاب دولة يعرف جمهوره، ويفهم قواعد المنصة، ويتحدث بلغتها دون أن يفقد هويته أو أولوياته.



أهم ما ميّز كلمة الرئيس السيسى فى دافوس أنها لم تُلقَ من موقع الدفاع أو التبرير، بل من موقع الشريك الذى يمتلك رؤية، وخبرة، وقدرة على قراءة المشهد الدولى بتعقيداته. لم تكن كلمة محلية تُلقى فى منتدى عالمى، بل خطاب عالمى صيغ بعناية ليخاطب صناع القرار والمستثمرين والمؤسسات الدولية بلغتهم: الاستقرار، الأمن الإقليمى، الإصلاح الاقتصادى، الاستثمار، التكنولوجيا، والحوكمة.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة المشاركة، فدافوس ليست ساحة للهتاف السياسى، بل سوق أفكار ومصالح، ومن لا يجيد لغته لا يُسمَع صوته.

فى ملف الاستثمار، جاءت الرسائل واضحة ومباشرة. الرئيس لم يبع وعودًا فضفاضة، بل عرض واقعًا مدعومًا بالأرقام والبنية التحتية والفرص. الحديث عن السوق المصرية بوصفها سوقًا واعدة، وعن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وشبكة الطرق والموانئ، واتفاقيات التجارة الحرة، جاء فى إطار تسويق الدولة المصرية كمنصة استثمارية إقليمية، لا مجرد دولة تطلب رؤوس أموال.

الأهم أن هذا الخطاب لم ينفصل عن الإصلاح الاقتصادى، ولا تجاهل الأثمان التى دفعتها مصر، سواء بفعل الأزمات العالمية أو تداعيات حرب غزة، وعلى رأسها خسارة نحو ٩ مليارات دولار من إيرادات قناة السويس. ذكر ذلك لم يكن شكوى، بل تأكيد على قدرة الاقتصاد المصرى على الصمود وتحمل الكلفة دفاعًا عن الاستقرار الإقليمى.

من النقاط اللافتة فى خطاب الرئيس التأكيد على الشباب باعتبارهم الثروة الحقيقية. لم يكن الحديث هنا إنشائيًا، بل مرتبط مباشرة بالتكنولوجيا والتحول الرقمى والذكاء الاصطناعى وبناء أجيال قادرة على استيعاب هذه التحولات والمشاركة فى صناعتها.

هذه الرسالة مهمة فى منتدى مثل دافوس، حيث يُنظر إلى رأس المال البشرى بوصفه أحد أهم محددات الجاذبية الاستثمارية، لا مجرد ملف اجتماعى.


سياسيًا، قدمت مصر نفسها، مرة أخرى، كعنصر استقرار لا كمجرد طرف متأثر بالأزمات. الترحيب بإعلان الولايات المتحدة بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وتثمين جهود الرئيس ترامب، والتأكيد على البناء على مكتسبات قمة شرم الشيخ، جاء فى إطار سياسة خارجية براجماتية لا تبحث عن المزايدات، بل عن النتائج.

الأهم هو التأكيد المتكرر على أن القضية الفلسطينية تظل الركيزة الأساسية لأى سلام دائم فى الشرق الأوسط، وأن إدارة الأزمات لا يمكن أن تحل محل الحلول السياسية العادلة. هذه رسالة اتساق، لا خطاب ظرفى.

ربما كانت الفكرة الأكثر عمقًا فى كلمة الرئيس هى التأكيد على مفهوم استعادة الدولة الوطنية. ليس فى مصر وحدها، بل فى الإقليم كله. فالتجربة أثبتت أن انهيار الدول هو المدخل الأوسع للفوضى، وأن غياب المؤسسات يفتح الباب أمام العنف والتدخلات والصراعات الممتدة.

هذا الطرح يلقى صدى واضحًا فى دوائر صنع القرار العالمية التى باتت تدرك، بعد سنوات من التجارب المكلفة، أن تفكيك الدول لا يصنع ديمقراطية ولا استقرارًا.

يمكن النظر إلى مشاركة السيسى فى دافوس هذا العام بوصفها نموذجًا لكيفية التعامل مع هذه المنصات الدولية: حضور محسوب، خطاب مفهوم، رسائل واضحة، وربط ذكى بين السياسة والاقتصاد والاستقرار.

لعلها تكون بالفعل بداية مرحلة أكثر نضجًا فى التعامل مع مثل هذه المناسبات، لا باعتبارها واجهة علاقات عامة، بل كأدوات فاعلة فى الدفاع عن المصالح الوطنية، وشرح الرؤية المصرية للعالم، بلغة يفهمها العالم ويحترمها.

فى دافوس، لا يكفى أن تكون على حق، المهم أن تعرف كيف تجعل العالم يفهم لماذا أنت كذلك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تتحدث الدولة بلغة العالم حين تتحدث الدولة بلغة العالم



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt