توقيت القاهرة المحلي 22:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين تتحدث الدولة بلغة العالم

  مصر اليوم -

حين تتحدث الدولة بلغة العالم

بقلم : عبد اللطيف المناوي

حين كتبتُ بالأمس أن حضور الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى دافوس، حتى لو كان الهدف المعلن أو الرئيسى هو اللقاء المرتقب مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يمكن أن يكون ذا تأثير إيجابى بالغ، بشرط أن يُدار بالصيغة التى تفهم جيدًا لغة هذا العالم وطبيعة دوائره المؤثرة، لم يكن ذلك تفاؤلًا مجانيًا، بل قراءة لتجربة تراكمت عبر سنوات.

اليوم، وبعد مشاركة الرئيس، يمكن القول بوضوح إن هذا الشرط قد تحقق.

فما قُدِّم فى دافوس لم يكن مجرد حضور بروتوكولى، بل خطاب دولة يعرف جمهوره، ويفهم قواعد المنصة، ويتحدث بلغتها دون أن يفقد هويته أو أولوياته.



أهم ما ميّز كلمة الرئيس السيسى فى دافوس أنها لم تُلقَ من موقع الدفاع أو التبرير، بل من موقع الشريك الذى يمتلك رؤية، وخبرة، وقدرة على قراءة المشهد الدولى بتعقيداته. لم تكن كلمة محلية تُلقى فى منتدى عالمى، بل خطاب عالمى صيغ بعناية ليخاطب صناع القرار والمستثمرين والمؤسسات الدولية بلغتهم: الاستقرار، الأمن الإقليمى، الإصلاح الاقتصادى، الاستثمار، التكنولوجيا، والحوكمة.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة المشاركة، فدافوس ليست ساحة للهتاف السياسى، بل سوق أفكار ومصالح، ومن لا يجيد لغته لا يُسمَع صوته.

فى ملف الاستثمار، جاءت الرسائل واضحة ومباشرة. الرئيس لم يبع وعودًا فضفاضة، بل عرض واقعًا مدعومًا بالأرقام والبنية التحتية والفرص. الحديث عن السوق المصرية بوصفها سوقًا واعدة، وعن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وشبكة الطرق والموانئ، واتفاقيات التجارة الحرة، جاء فى إطار تسويق الدولة المصرية كمنصة استثمارية إقليمية، لا مجرد دولة تطلب رؤوس أموال.

الأهم أن هذا الخطاب لم ينفصل عن الإصلاح الاقتصادى، ولا تجاهل الأثمان التى دفعتها مصر، سواء بفعل الأزمات العالمية أو تداعيات حرب غزة، وعلى رأسها خسارة نحو ٩ مليارات دولار من إيرادات قناة السويس. ذكر ذلك لم يكن شكوى، بل تأكيد على قدرة الاقتصاد المصرى على الصمود وتحمل الكلفة دفاعًا عن الاستقرار الإقليمى.

من النقاط اللافتة فى خطاب الرئيس التأكيد على الشباب باعتبارهم الثروة الحقيقية. لم يكن الحديث هنا إنشائيًا، بل مرتبط مباشرة بالتكنولوجيا والتحول الرقمى والذكاء الاصطناعى وبناء أجيال قادرة على استيعاب هذه التحولات والمشاركة فى صناعتها.

هذه الرسالة مهمة فى منتدى مثل دافوس، حيث يُنظر إلى رأس المال البشرى بوصفه أحد أهم محددات الجاذبية الاستثمارية، لا مجرد ملف اجتماعى.


سياسيًا، قدمت مصر نفسها، مرة أخرى، كعنصر استقرار لا كمجرد طرف متأثر بالأزمات. الترحيب بإعلان الولايات المتحدة بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وتثمين جهود الرئيس ترامب، والتأكيد على البناء على مكتسبات قمة شرم الشيخ، جاء فى إطار سياسة خارجية براجماتية لا تبحث عن المزايدات، بل عن النتائج.

الأهم هو التأكيد المتكرر على أن القضية الفلسطينية تظل الركيزة الأساسية لأى سلام دائم فى الشرق الأوسط، وأن إدارة الأزمات لا يمكن أن تحل محل الحلول السياسية العادلة. هذه رسالة اتساق، لا خطاب ظرفى.

ربما كانت الفكرة الأكثر عمقًا فى كلمة الرئيس هى التأكيد على مفهوم استعادة الدولة الوطنية. ليس فى مصر وحدها، بل فى الإقليم كله. فالتجربة أثبتت أن انهيار الدول هو المدخل الأوسع للفوضى، وأن غياب المؤسسات يفتح الباب أمام العنف والتدخلات والصراعات الممتدة.

هذا الطرح يلقى صدى واضحًا فى دوائر صنع القرار العالمية التى باتت تدرك، بعد سنوات من التجارب المكلفة، أن تفكيك الدول لا يصنع ديمقراطية ولا استقرارًا.

يمكن النظر إلى مشاركة السيسى فى دافوس هذا العام بوصفها نموذجًا لكيفية التعامل مع هذه المنصات الدولية: حضور محسوب، خطاب مفهوم، رسائل واضحة، وربط ذكى بين السياسة والاقتصاد والاستقرار.

لعلها تكون بالفعل بداية مرحلة أكثر نضجًا فى التعامل مع مثل هذه المناسبات، لا باعتبارها واجهة علاقات عامة، بل كأدوات فاعلة فى الدفاع عن المصالح الوطنية، وشرح الرؤية المصرية للعالم، بلغة يفهمها العالم ويحترمها.

فى دافوس، لا يكفى أن تكون على حق، المهم أن تعرف كيف تجعل العالم يفهم لماذا أنت كذلك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تتحدث الدولة بلغة العالم حين تتحدث الدولة بلغة العالم



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt