توقيت القاهرة المحلي 17:47:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين تتحدث الدولة بلغة العالم

  مصر اليوم -

حين تتحدث الدولة بلغة العالم

بقلم : عبد اللطيف المناوي

حين كتبتُ بالأمس أن حضور الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى دافوس، حتى لو كان الهدف المعلن أو الرئيسى هو اللقاء المرتقب مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يمكن أن يكون ذا تأثير إيجابى بالغ، بشرط أن يُدار بالصيغة التى تفهم جيدًا لغة هذا العالم وطبيعة دوائره المؤثرة، لم يكن ذلك تفاؤلًا مجانيًا، بل قراءة لتجربة تراكمت عبر سنوات.

اليوم، وبعد مشاركة الرئيس، يمكن القول بوضوح إن هذا الشرط قد تحقق.

فما قُدِّم فى دافوس لم يكن مجرد حضور بروتوكولى، بل خطاب دولة يعرف جمهوره، ويفهم قواعد المنصة، ويتحدث بلغتها دون أن يفقد هويته أو أولوياته.



أهم ما ميّز كلمة الرئيس السيسى فى دافوس أنها لم تُلقَ من موقع الدفاع أو التبرير، بل من موقع الشريك الذى يمتلك رؤية، وخبرة، وقدرة على قراءة المشهد الدولى بتعقيداته. لم تكن كلمة محلية تُلقى فى منتدى عالمى، بل خطاب عالمى صيغ بعناية ليخاطب صناع القرار والمستثمرين والمؤسسات الدولية بلغتهم: الاستقرار، الأمن الإقليمى، الإصلاح الاقتصادى، الاستثمار، التكنولوجيا، والحوكمة.

وهنا تحديدًا تكمن قيمة المشاركة، فدافوس ليست ساحة للهتاف السياسى، بل سوق أفكار ومصالح، ومن لا يجيد لغته لا يُسمَع صوته.

فى ملف الاستثمار، جاءت الرسائل واضحة ومباشرة. الرئيس لم يبع وعودًا فضفاضة، بل عرض واقعًا مدعومًا بالأرقام والبنية التحتية والفرص. الحديث عن السوق المصرية بوصفها سوقًا واعدة، وعن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وشبكة الطرق والموانئ، واتفاقيات التجارة الحرة، جاء فى إطار تسويق الدولة المصرية كمنصة استثمارية إقليمية، لا مجرد دولة تطلب رؤوس أموال.

الأهم أن هذا الخطاب لم ينفصل عن الإصلاح الاقتصادى، ولا تجاهل الأثمان التى دفعتها مصر، سواء بفعل الأزمات العالمية أو تداعيات حرب غزة، وعلى رأسها خسارة نحو ٩ مليارات دولار من إيرادات قناة السويس. ذكر ذلك لم يكن شكوى، بل تأكيد على قدرة الاقتصاد المصرى على الصمود وتحمل الكلفة دفاعًا عن الاستقرار الإقليمى.

من النقاط اللافتة فى خطاب الرئيس التأكيد على الشباب باعتبارهم الثروة الحقيقية. لم يكن الحديث هنا إنشائيًا، بل مرتبط مباشرة بالتكنولوجيا والتحول الرقمى والذكاء الاصطناعى وبناء أجيال قادرة على استيعاب هذه التحولات والمشاركة فى صناعتها.

هذه الرسالة مهمة فى منتدى مثل دافوس، حيث يُنظر إلى رأس المال البشرى بوصفه أحد أهم محددات الجاذبية الاستثمارية، لا مجرد ملف اجتماعى.


سياسيًا، قدمت مصر نفسها، مرة أخرى، كعنصر استقرار لا كمجرد طرف متأثر بالأزمات. الترحيب بإعلان الولايات المتحدة بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وتثمين جهود الرئيس ترامب، والتأكيد على البناء على مكتسبات قمة شرم الشيخ، جاء فى إطار سياسة خارجية براجماتية لا تبحث عن المزايدات، بل عن النتائج.

الأهم هو التأكيد المتكرر على أن القضية الفلسطينية تظل الركيزة الأساسية لأى سلام دائم فى الشرق الأوسط، وأن إدارة الأزمات لا يمكن أن تحل محل الحلول السياسية العادلة. هذه رسالة اتساق، لا خطاب ظرفى.

ربما كانت الفكرة الأكثر عمقًا فى كلمة الرئيس هى التأكيد على مفهوم استعادة الدولة الوطنية. ليس فى مصر وحدها، بل فى الإقليم كله. فالتجربة أثبتت أن انهيار الدول هو المدخل الأوسع للفوضى، وأن غياب المؤسسات يفتح الباب أمام العنف والتدخلات والصراعات الممتدة.

هذا الطرح يلقى صدى واضحًا فى دوائر صنع القرار العالمية التى باتت تدرك، بعد سنوات من التجارب المكلفة، أن تفكيك الدول لا يصنع ديمقراطية ولا استقرارًا.

يمكن النظر إلى مشاركة السيسى فى دافوس هذا العام بوصفها نموذجًا لكيفية التعامل مع هذه المنصات الدولية: حضور محسوب، خطاب مفهوم، رسائل واضحة، وربط ذكى بين السياسة والاقتصاد والاستقرار.

لعلها تكون بالفعل بداية مرحلة أكثر نضجًا فى التعامل مع مثل هذه المناسبات، لا باعتبارها واجهة علاقات عامة، بل كأدوات فاعلة فى الدفاع عن المصالح الوطنية، وشرح الرؤية المصرية للعالم، بلغة يفهمها العالم ويحترمها.

فى دافوس، لا يكفى أن تكون على حق، المهم أن تعرف كيف تجعل العالم يفهم لماذا أنت كذلك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تتحدث الدولة بلغة العالم حين تتحدث الدولة بلغة العالم



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt