توقيت القاهرة المحلي 10:46:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«ماذا وراء الأسوار العالية؟»

  مصر اليوم -

«ماذا وراء الأسوار العالية»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

هناك كتب تُقرأ بوصفها إضافة معرفية، وأخرى تُقرأ بوصفها تنبيهًا مبكرًا لما يتشكل تحت السطح. كتاب الدكتورة أمانى قنديل حول «الكومباوند فى مصر» ينتمى إلى النوعين.

الدكتورة أمانى قنديل، وهى من الباحثين الجادين فى نسيج المجتمع المصرى، تكتب هنا بذات السمات التى عُرفت بها، عمق فى الرؤية، صرامة فى المنهج، وقدرة على الربط بين التفاصيل الصغيرة والصورة الكبرى. وقبل كل ذلك، هى صديقة عزيزة، لكن ما يفرض نفسه فى هذا العمل ليس فقط التقدير الشخصى، بل قيمة الجهد العلمى الذى يُقدَّم، ووضوح الأسئلة التى يطرحها، حتى وإن بدت مقلقة.

الكتاب ينطلق من ظاهرة تبدو للوهلة الأولى عمرانية أو اقتصادية، انتشار الكومباوندات، أو المجتمعات السكنية المغلقة، فى المدن المصرية، خاصة القاهرة. لكن سرعان ما يتجاوز هذا الوصف إلى تفكيك أعمق، يكشف أن ما يحدث ليس مجرد انتقال سكنى، بل تحول فى بنية المجتمع نفسه. فهذه المجتمعات ليست فقط أماكن للسكن، بل أنماط حياة كاملة، تُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الداخل والخارج، وبين الأمان والانتماء.

تطرح الباحثة إطارًا تحليليًا لافتًا يقوم على تفاعل ثلاثة عناصر: المكان، البشر، والزمن. المكان هنا ليس حيًا تقليديًا، بل فضاء جديد أُعيد تشكيله فى الصحراء، ليصبح مركزًا للثروة والامتياز. والبشر ليسوا مجرد سكان، بل فئات اجتماعية تبحث عن الأمان والتميّز، وتعيد إنتاج ذاتها داخل هذه المساحات المغلقة. أما الزمن، فهو سياق من التحولات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، دفع كثيرين إلى البحث عن حلول فردية، بدل انتظار معالجات جماعية. هنا تصبح الكومباوندات تعبيرًا عن شىء أعمق، انسحابا تدريجيا من المجال العام. فحين ينتقل جزء من المجتمع إلى فضاءات مسوّرة، لها قوانينها وخدماتها وثقافتها الخاصة، فإن ما يتراجع ليس فقط الاحتكاك اليومى، بل فكرة «المجتمع» نفسها. تنشأ عوالم موازية، قد تتجاور جغرافيًا، لكنها تتباعد إدراكيًا وثقافيًا.

واحدة من أهم نقاط قوة الكتاب هى قدرته على الربط بين هذا التحول وبين منطق السوق والعولمة. فالكومباوندات لم تنشأ بمعزل عن الاقتصاد، بل فى قلبه. لقد تحولت إلى منتج متكامل، يُسوّق الأمان والخصوصية ونمط الحياة «المثالى»، ويستجيب فى الوقت نفسه لمخاوف حقيقية لدى قطاعات من المجتمع. وهنا تكمن المفارقة، ما يبدو استجابة عقلانية لمخاوف فردية، قد يساهم على المدى الطويل فى تعميق الفجوات الاجتماعية.

لا تقع الباحثة فى فخ الإدانة المباشرة، ولا فى التبرير الساذج، بل تحافظ على مسافة علمية، تسمح لها برصد الظاهرة كما هى، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، لكنها، فى الوقت نفسه، تترك القارئ أمام سؤال يصعب تجاهله: ماذا يعنى أن يتحول الأمان إلى مشروع خاص؟ وأن تصبح العزلة امتيازًا؟ وأن يُعاد تعريف المدينة بوصفها مجموعة من الجزر المنفصلة، لا كيانًا واحدًا؟.

هذا الكتاب يضع أمامنا مرآة صادقة، تعكس تحولات عميقة، ربما كنا نفضل ألا نراها بوضوح. وهذا، فى حد ذاته، هو الدور الأهم لأى عمل فكرى جاد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ماذا وراء الأسوار العالية» «ماذا وراء الأسوار العالية»



GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 07:11 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ماذا فى «جراب» الاتفاق الأمريكى- الإيرانى؟

GMT 07:09 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الانسحاب والاحتلال

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt