توقيت القاهرة المحلي 23:28:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الضرائب الحل السهل

  مصر اليوم -

الضرائب الحل السهل

بقلم : عبد اللطيف المناوي

كلما واجهت الحكومات أزمة اقتصادية يظهر الميل الفورى إلى اللجوء لأسهل حل يمكن الوصول إليه سريعًا: الضرائب. هذا النمط يتكرر فى دول كثيرة، بغض النظر عن اختلاف الأنظمة أو الأيديولوجيات، وكأنه القاعدة السهلة لإدارة الأزمات. الاعتماد على الضرائب عند كل أزمة لا يعكس حلاً اقتصاديًا بقدر ما يكشف عن قلة حيلة وضعف قدرة الحكومات على إنتاج حلول حقيقية، وعن عجزها عن التعامل مع جذور الأزمة بدلًا من محاولة ترقيعها مؤقتًا عبر تحميل المواطن كلفة إضافية.

تبدو الحالة البريطانية مثالًا واضحًا لهذا. فقد وقفت وزيرة المالية البريطانية رايتشل ريفز أمام مجلس النواب لتعلن ميزانية جديدة تعتمد فى جوهرها على زيادة الإيرادات عبر إجراءات ضريبية مباشرة وغير مباشرة. رغم أن الحكومة لم ترفع معدلات ضريبة الدخل نفسها، بل لجأت إلى ما أصبح يُعرف هناك بـ«الضريبة الخفية»، أى تجميد حدود الشرائح الضريبية حتى عام ٢٠٣١. هذا يعنى ببساطة أن ارتفاع الأجور سيدفع ملايين البريطانيين تلقائيًا إلى شرائح أعلى، فيدفعون ضرائب أكبر دون إعلان رسمى عن رفعها.

وجاءت إجراءات أخرى مثل تقليص الإعفاءات الضريبية للمعاشات، ما سيؤدى إلى انخفاض قيمة معاشات الأجيال الشابة. كما رُفعت ضرائب الأرباح الموزعة وبدا كأنه «هجوم ضريبى» على سوق يفترض أن الدولة تسعى لتنشيطها.

ورغم كل هذه التدابير فإن متوسط النمو المتوقع لا يتجاوز ١.٥٪ خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وهو معدل ضعيف لدولة بحجم بريطانيا. كما ستظل مستويات الدين أعلى من المتوقع، ما يعنى أن الحكومة تجمع ضرائب أكثر لكنها لا تولّد نموًا أكبر. هنا تحديدًا يظهر جوهر المشكلة. الضرائب تسد فجوة مالية عاجلة، لكنها لا تعالج أسباب الأزمة التى أدت لتلك الفجوة، مثل ضعف الإنتاجية، وتباطؤ الاستثمار، وتراجع القدرة التنافسية، وضغط الإنفاق العام. وبذلك تتحول الضرائب إلى حل سريع يشترى للحكومة الوقت لكنه لا يقدّم علاجًا للألم.

هذا السلوك المالى يعكس أزمة فهم اقتصادى. حين تلجأ الحكومات إلى الضرائب عند كل أزمة، فهى تعترف ضمنًا بأنها عاجزة عن تحفيز النمو الحقيقى، أو إصلاح القطاع العام، أو تطوير قطاعات الإنتاج، أو دعم الشركات لخلق فرص عمل جديدة. وهى تفترض أن المواطن هو الطرف الأضعف الذى يمكن زيادة العبء عليه دون مقاومة، وأن الاستثمار سيواصل العمل رغم تزايد الأعباء، وأن الاقتصاد يستطيع تحمل الضغط الضريبى حتى لو كان على حساب النشاط والاستثمار والاستهلاك. لكن الواقع أن الاعتماد على الضرائب كأداة رئيسية لحل الأزمات يؤدى إلى آثار عكسية خطيرة: تباطؤ اقتصادى أطول، هروب للاستثمارات، إرهاق للطبقة الوسطى التى تُعتبر العمود الفقرى لأى استقرار، وتآكل ثقة السوق فى قدرة الحكومة.

تُظهر التجربة البريطانية الأخيرة أنه عندما تصبح جيوب المواطنين هى الحل الدائم، فهذا لا يكشف عن قوة دولة، بل عن غياب البدائل الحقيقية فى عقل صانع القرار. وستدفع الحكومة الثمن فى أول انتخابات عامة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الضرائب الحل السهل الضرائب الحل السهل



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt