توقيت القاهرة المحلي 05:11:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من أجل كيس طحين: حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم

  مصر اليوم -

من أجل كيس طحين حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم

بقلم : عبد اللطيف المناوي

ليس مشهدًا من فيلم مأساوى، ما يحدث فى غزة اليوم هو الواقع الحى، القاسى، الذى يعيشه رجال ونساء وأطفال لا يبحثون عن حياة كريمة أو مستقبل أفضل، بل فقط عن البقاء يومًا آخر على قيد الحياة.

فى هذا الركن الصغير من العالم، حيث تختلط رائحة البارود برائحة الخبز المحترق الذى لم يُخبز، تخرج كل يوم عشرات الأرواح بحثاً عن كيس طحين. مجرد كيس صغير، لا يتعدى وزنه بضعة كيلوجرامات، يكفى ليؤخر الموت عن عائلة بأكملها ليوم أو اثنين.

الرجل الذى ودّع أطفاله فى الصباح، يفعل ذلك لأنه يعرف أن رحلته القصيرة فى المسافة، الطويلة فى الخطر، قد تكون الأخيرة. ينظر فى أعين زوجته، ويطلب منها الدعاء، لا لأنه يبالغ أو يخشى المجهول، بل لأنه يعرف جيدًا ماذا ينتظره على الطريق.

عليه أن يسير لساعات، يقطع الكيلومترات مشيًا على الأقدام، ثم زحفًا على ركبتيه فى مناطق مفتوحة حتى لا تراه طائرات الاحتلال أو قناصته. لا يُمسك بيده سلاحًا، ولا يرفع راية، كل ما لديه هو كيس فارغ يريد أن يملأه بشىء من الطحين. إن حالفه الحظ ولم يُستهدف، يعود متعبًا، ممزق الثياب، حافى القدمين، يحمل الكيس كمن يحمل قلبه فى يده، يضعه على الطاولة أمام أطفاله، فينظرون إليه كمن أنقذهم من الغرق.

المشهد يتكرر كل يوم، عشرات الرجال والنساء يخرجون إلى ما يُسمى مجازاً «نقطة توزيع مساعدات»، وهى فى الواقع ساحة موت مفتوحة. لا توجد ممرات آمنة، ولا تنسيق مع أحد، فقط فوضى وخوف وتكدّس وبنادق موجهة. قصف، رصاص، قنص، ثم صراخ، ودماء، وجثث تُترك فى العراء. كل من ينجو لا يعود كما خرج، بل يعود حاملًا ذاكرة جديدة من الرعب، وأحيانًا يحمل رفيقًا جريحًا أو ميتًا بين ذراعيه.

ما الذى يمكن أن يدفع إنسانًا لتوديع أسرته وكأنه ذاهب إلى ساحة معركة من أجل كيس طحين؟.

الجواب بسيط ومؤلم: الجوع. حين يعجز الأب عن توفير وجبة واحدة لأطفاله، حين تبكى الأم وهى ترى طفلها ينام جائعًا، يصبح الطحين أغلى من الذهب، وأثمن من الحياة نفسها.

الناس فيها لم يعودوا يبحثون عن استقلال أو حل الدولتين أو إنهاء الاحتلال، بل فقط عن لقمة تسد الجوع. الرجل الذى يودّع أطفاله كل صباح، لا يريد سوى أن يعود إليهم بكيس الطحين. لا يريد بطولات، ولا شعارات، بل فقط ما يؤجل الموت ليوم آخر.

فى وجه هذا الواقع القاسى، تبدو كل شعارات «الشرعية الدولية» و«حلول السلام» و«المبادرات الإنسانية» بلا قيمة، ما لم يُرفع الحصار فورًا.

فى غزة، كيس الطحين ليس خبزًا فقط، بل كرامة.

ومن يموت فى سبيله، لا يموت جائعًا فقط، بل شهيدًا وضحية للتقاعس العالمى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من أجل كيس طحين حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم من أجل كيس طحين حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt