توقيت القاهرة المحلي 21:56:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من أجل كيس طحين: حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم

  مصر اليوم -

من أجل كيس طحين حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم

بقلم : عبد اللطيف المناوي

ليس مشهدًا من فيلم مأساوى، ما يحدث فى غزة اليوم هو الواقع الحى، القاسى، الذى يعيشه رجال ونساء وأطفال لا يبحثون عن حياة كريمة أو مستقبل أفضل، بل فقط عن البقاء يومًا آخر على قيد الحياة.

فى هذا الركن الصغير من العالم، حيث تختلط رائحة البارود برائحة الخبز المحترق الذى لم يُخبز، تخرج كل يوم عشرات الأرواح بحثاً عن كيس طحين. مجرد كيس صغير، لا يتعدى وزنه بضعة كيلوجرامات، يكفى ليؤخر الموت عن عائلة بأكملها ليوم أو اثنين.

الرجل الذى ودّع أطفاله فى الصباح، يفعل ذلك لأنه يعرف أن رحلته القصيرة فى المسافة، الطويلة فى الخطر، قد تكون الأخيرة. ينظر فى أعين زوجته، ويطلب منها الدعاء، لا لأنه يبالغ أو يخشى المجهول، بل لأنه يعرف جيدًا ماذا ينتظره على الطريق.

عليه أن يسير لساعات، يقطع الكيلومترات مشيًا على الأقدام، ثم زحفًا على ركبتيه فى مناطق مفتوحة حتى لا تراه طائرات الاحتلال أو قناصته. لا يُمسك بيده سلاحًا، ولا يرفع راية، كل ما لديه هو كيس فارغ يريد أن يملأه بشىء من الطحين. إن حالفه الحظ ولم يُستهدف، يعود متعبًا، ممزق الثياب، حافى القدمين، يحمل الكيس كمن يحمل قلبه فى يده، يضعه على الطاولة أمام أطفاله، فينظرون إليه كمن أنقذهم من الغرق.

المشهد يتكرر كل يوم، عشرات الرجال والنساء يخرجون إلى ما يُسمى مجازاً «نقطة توزيع مساعدات»، وهى فى الواقع ساحة موت مفتوحة. لا توجد ممرات آمنة، ولا تنسيق مع أحد، فقط فوضى وخوف وتكدّس وبنادق موجهة. قصف، رصاص، قنص، ثم صراخ، ودماء، وجثث تُترك فى العراء. كل من ينجو لا يعود كما خرج، بل يعود حاملًا ذاكرة جديدة من الرعب، وأحيانًا يحمل رفيقًا جريحًا أو ميتًا بين ذراعيه.

ما الذى يمكن أن يدفع إنسانًا لتوديع أسرته وكأنه ذاهب إلى ساحة معركة من أجل كيس طحين؟.

الجواب بسيط ومؤلم: الجوع. حين يعجز الأب عن توفير وجبة واحدة لأطفاله، حين تبكى الأم وهى ترى طفلها ينام جائعًا، يصبح الطحين أغلى من الذهب، وأثمن من الحياة نفسها.

الناس فيها لم يعودوا يبحثون عن استقلال أو حل الدولتين أو إنهاء الاحتلال، بل فقط عن لقمة تسد الجوع. الرجل الذى يودّع أطفاله كل صباح، لا يريد سوى أن يعود إليهم بكيس الطحين. لا يريد بطولات، ولا شعارات، بل فقط ما يؤجل الموت ليوم آخر.

فى وجه هذا الواقع القاسى، تبدو كل شعارات «الشرعية الدولية» و«حلول السلام» و«المبادرات الإنسانية» بلا قيمة، ما لم يُرفع الحصار فورًا.

فى غزة، كيس الطحين ليس خبزًا فقط، بل كرامة.

ومن يموت فى سبيله، لا يموت جائعًا فقط، بل شهيدًا وضحية للتقاعس العالمى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من أجل كيس طحين حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم من أجل كيس طحين حكاية رجل يُودِّع أهله كل يوم



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt