توقيت القاهرة المحلي 11:42:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأعمدة السبعة للأصليين

  مصر اليوم -

الأعمدة السبعة للأصليين

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى ذكرى عيد الميلاد المجيد، لا تبدو المناسبة مجرد احتفال دينى عابر، بل فرصة عميقة لاستحضار جوهر الشخصية المصرية فى أنقى تجلياتها؛ تلك الشخصية التى قاومت عبر قرون طويلة عوامل التعرية الثقافية، والضغوط السياسية، والتحولات الاجتماعية القاسية، وبقيت، رغم كل شىء، محتفظة بخيط متين من التوازن والقدرة على التعايش وإعادة إنتاج ذاتها دون أن تفقد روحها.

وفى مثل هذه اللحظات، أتذكر واحدًا من المفكرين المصريين الذين كنت محظوظًا بمعرفتهم والجلوس معهم فى بدايات عملى المهنى؛ مفكر لم يكن يكتب من برج عاجىّ، بل من تماس حىّ مع المجتمع والتاريخ والناس. أتذكر الدكتور ميلاد حنا، وصدر عنه كتابٌ ظلّ علامة فارقة فى فهم تركيبة المجتمع المصرى: «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية».

لم يكن هذا الكتاب محاولة تنظير ثقافى بارد، ولا دراسة أكاديمية جافة، بل قراءة إنسانية عميقة فى طبقات الهوية المصرية، قراءة ترفض الاختزال وتقاوم الثنائية السطحية التى تُقسّم المجتمع بين متناقضات حادة. جاء الكتاب ليقول ببساطة شديدة وعمق شديد فى آن واحد: إن مصر لا تُفهم بعمود واحد، ولا بزاوية واحدة، بل بتكامل سبعة أعمدة تشكّل معًا شخصية قادرة على الاستمرار.

يتحدث ميلاد حنا عن العمود الفرعونى بوصفه ذاكرة المكان والزمان، حيث الاستقرار، والارتباط بالأرض، وفكرة الدولة المركزية التى لم تنقطع منذ آلاف السنين.. ثم يأتى العمود اليونانى- الرومانى ليضيف البعد العقلانى، والانفتاح على الفلسفة والمنطق والمدن الكوزموبوليتانية. ويظهر العمود القبطى ليس فقط كامتداد دينى، بل كحامل لقيم الصبر، والعمق الروحى، وفكرة الاستمرارية فى مواجهة الاضطهاد.

أما العمود الإسلامى، فيقدّمه «حنا» بوصفه إطارًا حضاريًا وأخلاقيًا تشكّل عبر قرون طويلة، وأسهم فى صياغة الحس الجمعى، واللغة، والعادات، دون أن يلغى ما سبقه. ثم يضيف العمود العربى بما يحمله من لغة جامعة، وانتماء ثقافى أوسع، وشعور بالمصير المشترك. ولا يغفل العمود الأفريقى، الذى يعيد مصر إلى عمقها الجغرافى والإنسانى، حيث التعدد، والتداخل، والتأثير المتبادل. وأخيرًا العمود المتوسطى، الذى يجعل مصر نقطة تلاقٍ لا عزلة، وجسرًا لا جدارًا. قيمة هذا الطرح، خصوصًا فى لحظة مثل عيد الميلاد المجيد، أنه يعيد الاعتبار لفكرة التكامل لا التنافى. فالمسيحى فى مصر ليس «استثناءً» فى جسد وطنى، كما أن المسلم ليس «الأصل» الذى يمنح الشرعية للآخر. كلاهما نتاج تاريخ واحد، ومكان واحد، وذاكرة جمعية تشكّلت عبر هذه الأعمدة المتداخلة.

وفى زمن تتآكل فيه الهويات تحت ضغط الاستقطاب، وتُشوَّه فيه صورة الشخصية المصرية إما بالتبسيط المخل أو بالاستدعاء الانتقائى، تبدو العودة إلى هذا الكتاب أشبه بفعل مقاومة ثقافية هادئة. مقاومة تقول إن الشخصية المصرية أعمق من أن تُختصر فى لحظة غضب، أو خطاب كراهية، أو صراع مفتعل.

عيد الميلاد المجيد، فى هذا المعنى، ليس فقط مناسبة للتهنئة، بل تذكير بأن مصر، فى جوهرها، فكرة تعايش قبل أن تكون حدودًا، وتجربة تاريخية فى قبول الآخر قبل أن تكون شعارًا سياسيًا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأعمدة السبعة للأصليين الأعمدة السبعة للأصليين



GMT 07:25 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

السيدة الأمينة

GMT 07:23 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

GMT 07:21 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الصومال وإسرائيل والبحر العتيق

GMT 07:19 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

GMT 07:17 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط... أمن بلا سياسة

GMT 07:14 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

متحف حُبّ يحمل اسم فاروق حسني

GMT 07:02 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

جديد ترمب في موقعة فنزويلا

GMT 06:59 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

«الفيلسوفة الطفلة».. بقلم الدكتور «مراد وهبة»

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 18:29 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
  مصر اليوم - ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt