توقيت القاهرة المحلي 22:39:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه؟

  مصر اليوم -

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه

بقلم : عبد اللطيف المناوي

أثار قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعليق لوحات ساخرة عن الرؤساء السابقين على ما سُمّى «ممشى المشاهير الرئاسى» داخل البيت الأبيض جدلًا واسعًا، تجاوز حدود الخلاف الحزبى المعتاد، ليطرح سؤالًا أعمق: هل يملك الرئيس، قانونيًا وأخلاقيًا، الحق فى السخرية العلنية من أسلافه.. أم أن ما يفعله ترامب يمثل تجاوزًا غير مسبوق على تقاليد الرئاسة وهيبة المنصب؟.

من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد نص دستورى يمنع الرئيس من التعبير عن آرائه السياسية، حتى لو تضمنت انتقادًا أو سخرية من رؤساء سابقين. حرية التعبير فى النظام الأمريكى واسعة.. والرئيس، نظريًا، مواطن يتمتع بهذه الحرية. لكن السياسة، بخلاف القانون، لا تُدار بالنصوص فقط، بل بالتقاليد والأعراف التى راكمتها الدولة عبر قرنين من الزمن.

هنا يكمن جوهر الإشكال. فالرئاسة الأمريكية لم تكن يومًا مجرد منصب تنفيذى، بل رمز للدولة واستمراريتها. ومن بين أهم أعرافها غير المكتوبة احترام الرؤساء السابقين، حتى فى حال الخلاف العميق معهم. هذا الاحترام لا يعنى تبرئة سياساتهم من النقد، بل الفصل بين النقد السياسى المشروع، وبين السخرية الشخصية التى تُحوّل التاريخ إلى كاريكاتير.

ما يفعله ترامب يخرج عن هذا التقليد بوضوح. فاللوحات لا تقدّم قراءة نقدية متزنة لتجارب الرؤساء السابقين، بل تختزلهم فى أوصاف ساخرة: جو بايدن «النعسان»، باراك أوباما «المثير للانقسام»، بوش الابن «مُشعل الحروب»، بينما تُغرق لوحاته الخاصة بعبارات التمجيد والمبالغة. هذه المفارقة وحدها تكشف أن الهدف ليس كتابة تاريخ بديل، بل فرض سردية شخصية ترى السياسة كساحة تصفية حسابات.

المؤرخون الذين عبّروا عن قلقهم محقون فى مخاوفهم. فالتاريخ لا يُكتب بالملصقات ولا بالشعارات. اختزال شخصيات معقّدة، حكمت فى ظروف استثنائية واتخذت قرارات مصيرية، إلى أوصاف ساخرة، لا يُبسط الفهم العام فحسب، بل يُفقِده العمق. الأخطر أن هذا التبسيط قد يصبح المرجعية الوحيدة للأجيال الأصغر سنًا، التى تتلقى السياسة اليوم عبر الصور واللقطات السريعة أكثر مما تتلقاها عبر الكتب والنقاشات الجادة.

سياسيًا، ينسجم هذا السلوك تمامًا مع أسلوب ترامب الشعبوى. هو لا يخاطب المؤسسة، بل جمهوره المباشر. السخرية هنا أداة تعبئة، وليست تعبيرًا ثقافيًا. حين يسخر من الرؤساء السابقين، فهو لا يناقش إرثهم بقدر ما يعمّق الانقسام، ويقدّم نفسه بوصفه الاستثناء الوحيد فى تاريخ «فاشل»، كما يصوره. هذه المقاربة تعزّز منطق «نحن ضد هم»، وتحوّل الرئاسة من موقع جامع إلى منصة صراع دائم.

قد يكون من حق الرئيس، قانونيًا، أن يسخر. لكن السؤال الأهم: هل من حق المنصب أن يُستخدم بهذه الطريقة؟

التاريخ الأمريكى ملىء بالخلافات الحادة بين الرؤساء، لكنه نادرًا ما شهد تحويل البيت الأبيض إلى مساحة تصفية رمزية مع الماضى. وما يفعله ترامب اليوم ليس مجرد خلاف على لوحات، بل اختبار حقيقى لحدود الشعبوية، ولمدى قدرة الديمقراطية على حماية رموزها من التآكل الداخلى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt