توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه؟

  مصر اليوم -

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه

بقلم : عبد اللطيف المناوي

أثار قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعليق لوحات ساخرة عن الرؤساء السابقين على ما سُمّى «ممشى المشاهير الرئاسى» داخل البيت الأبيض جدلًا واسعًا، تجاوز حدود الخلاف الحزبى المعتاد، ليطرح سؤالًا أعمق: هل يملك الرئيس، قانونيًا وأخلاقيًا، الحق فى السخرية العلنية من أسلافه.. أم أن ما يفعله ترامب يمثل تجاوزًا غير مسبوق على تقاليد الرئاسة وهيبة المنصب؟.

من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد نص دستورى يمنع الرئيس من التعبير عن آرائه السياسية، حتى لو تضمنت انتقادًا أو سخرية من رؤساء سابقين. حرية التعبير فى النظام الأمريكى واسعة.. والرئيس، نظريًا، مواطن يتمتع بهذه الحرية. لكن السياسة، بخلاف القانون، لا تُدار بالنصوص فقط، بل بالتقاليد والأعراف التى راكمتها الدولة عبر قرنين من الزمن.

هنا يكمن جوهر الإشكال. فالرئاسة الأمريكية لم تكن يومًا مجرد منصب تنفيذى، بل رمز للدولة واستمراريتها. ومن بين أهم أعرافها غير المكتوبة احترام الرؤساء السابقين، حتى فى حال الخلاف العميق معهم. هذا الاحترام لا يعنى تبرئة سياساتهم من النقد، بل الفصل بين النقد السياسى المشروع، وبين السخرية الشخصية التى تُحوّل التاريخ إلى كاريكاتير.

ما يفعله ترامب يخرج عن هذا التقليد بوضوح. فاللوحات لا تقدّم قراءة نقدية متزنة لتجارب الرؤساء السابقين، بل تختزلهم فى أوصاف ساخرة: جو بايدن «النعسان»، باراك أوباما «المثير للانقسام»، بوش الابن «مُشعل الحروب»، بينما تُغرق لوحاته الخاصة بعبارات التمجيد والمبالغة. هذه المفارقة وحدها تكشف أن الهدف ليس كتابة تاريخ بديل، بل فرض سردية شخصية ترى السياسة كساحة تصفية حسابات.

المؤرخون الذين عبّروا عن قلقهم محقون فى مخاوفهم. فالتاريخ لا يُكتب بالملصقات ولا بالشعارات. اختزال شخصيات معقّدة، حكمت فى ظروف استثنائية واتخذت قرارات مصيرية، إلى أوصاف ساخرة، لا يُبسط الفهم العام فحسب، بل يُفقِده العمق. الأخطر أن هذا التبسيط قد يصبح المرجعية الوحيدة للأجيال الأصغر سنًا، التى تتلقى السياسة اليوم عبر الصور واللقطات السريعة أكثر مما تتلقاها عبر الكتب والنقاشات الجادة.

سياسيًا، ينسجم هذا السلوك تمامًا مع أسلوب ترامب الشعبوى. هو لا يخاطب المؤسسة، بل جمهوره المباشر. السخرية هنا أداة تعبئة، وليست تعبيرًا ثقافيًا. حين يسخر من الرؤساء السابقين، فهو لا يناقش إرثهم بقدر ما يعمّق الانقسام، ويقدّم نفسه بوصفه الاستثناء الوحيد فى تاريخ «فاشل»، كما يصوره. هذه المقاربة تعزّز منطق «نحن ضد هم»، وتحوّل الرئاسة من موقع جامع إلى منصة صراع دائم.

قد يكون من حق الرئيس، قانونيًا، أن يسخر. لكن السؤال الأهم: هل من حق المنصب أن يُستخدم بهذه الطريقة؟

التاريخ الأمريكى ملىء بالخلافات الحادة بين الرؤساء، لكنه نادرًا ما شهد تحويل البيت الأبيض إلى مساحة تصفية رمزية مع الماضى. وما يفعله ترامب اليوم ليس مجرد خلاف على لوحات، بل اختبار حقيقى لحدود الشعبوية، ولمدى قدرة الديمقراطية على حماية رموزها من التآكل الداخلى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt