توقيت القاهرة المحلي 07:54:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خطأ التشبيه.. فنزويلا وإيران

  مصر اليوم -

خطأ التشبيه فنزويلا وإيران

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى كل مرة تتصاعد فيها الضغوط على إيران، يعود إلى الواجهة سؤال يبدو مغريًا فى بساطته: هل يمكن أن يتكرر فى طهران سيناريو فنزويلا؟ دولة نفطية تحت العقوبات، اقتصاد منهك، عملة ضعيفة، ومواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. غير أن هذا التشبيه، رغم ما يحمله من عناصر سطحية متشابهة، يظل تشبيهًا مضللًا إذا ما أُخذ على محمل التحليل الجاد. فالتجربة الفنزويلية لا تصلح أن تكون قالبًا جاهزًا ينطبق على الحالة الإيرانية، والحديث عن تكرار السيناريو بالنتائج نفسها يعكس قراءة غير ناضجة تتجاهل فروقات بنيوية وجيوسياسية عميقة بين البلدين.

فى فنزويلا، جاءت العقوبات الأمريكية لتضرب شريان الاقتصاد الوحيد تقريبًا، النفط. ومع انهيار شركة النفط الرئيسية فى البلاد وتآكل مؤسسات الدولة، دخلت البلاد سريعًا فى مسار انهيار شامل، تحوّل فيه الاقتصاد إلى حالة فوضى، وفقدت الدولة قدرتها على إدارة المجتمع والموارد. فى المقابل، واجهت إيران عقوبات ممتدة ومتراكمة على مدار عقود، ما دفعها إلى تطوير نمط خاص من «اقتصاد العقوبات» أو «اقتصاد المقاومة» كما أطلقوا عليه. هذا الاقتصاد ليس صحيًا ولا مزدهرًا، لكنه قائم على شبكات التفاف، وتجارة إقليمية، وقنوات غير رسمية، وقطاعات شبه موازية تمكّنت من إبقاء الدولة واقفة، وإن كانت مثقلة بالأعباء. العقوبات فى الحالة الإيرانية لم تُسقط الدولة، بل أعادت توزيع القوة داخلها، وأنتجت مراكز نفوذ اقتصادية جديدة بدل الانهيار الكلى.

الفارق الأهم بين التجربتين يكمن فى بنية الدولة نفسها. فنزويلا عانت من تآكل مؤسسى حاد، وانقسام داخل النخبة الحاكمة، وغياب الكفاءة الإدارية، ما جعل الدولة عاجزة عن ضبط الاقتصاد أو احتواء الغضب الاجتماعى. أما إيران، ورغم كل ما يُقال عن أزماتها، فمازالت تمتلك دولة متعددة الطبقات: حكومة، وبرلمان، وأجهزة أمنية، ومؤسسات موازية قادرة على التعبئة والضبط. هذه البنية المعقّدة قد تكون جزءًا من المشكلة، لكنها فى الوقت نفسه أحد مصادر الصمود. فى فنزويلا، فقدت الدولة أدواتها، فانهارت. فى إيران، لاتزال الدولة تمتلك أدوات السيطرة وإدارة الأزمات، حتى وإن استخدمتها بأساليب قاسية.

ثم تأتى الجغرافيا السياسية كعامل حاسم. فنزويلا، رغم أهميتها النفطية، تقع فى هامش النظام الدولى، وتأثيرها الإقليمى محدود. إيران، على النقيض، تقف فى قلب إقليم ملتهب: الخليج، العراق، سوريا، لبنان، البحر الأحمر، وعلى تماس غير مباشر مع أوروبا وآسيا الوسطى. أى محاولة لدفع إيران إلى سيناريو انهيار شامل تحمل مخاطر ارتدادية على أسواق الطاقة والممرات البحرية وأمن الإقليم بأسره. لهذا السبب، حتى خصوم طهران يتعاملون معها باعتبارها ملفًا لا يُدار بالعقوبات وحدها، بل بمزيج من الردع والتفاوض والصفقات والوساطات. ما كان ممكنًا مع فنزويلا من حيث «الضغط حتى الانهيار» يصبح أقل قابلية للتطبيق مع دولة قادرة على تصدير أزماتها إلى محيطها.

ليس هذا فقط..

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خطأ التشبيه فنزويلا وإيران خطأ التشبيه فنزويلا وإيران



GMT 08:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 08:49 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 08:47 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 08:45 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الطريق إلى الجحيم والقمر

GMT 08:43 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

متى نرى الهدوء يغمر المنطقة؟

GMT 08:41 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

GMT 08:38 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

بكين ــ بيونغ يانغ... خريطة الشطرنج الآسيوية

GMT 08:31 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

قادة الرأى

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt