توقيت القاهرة المحلي 16:02:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

للحقيقة نسخ متعددة

  مصر اليوم -

للحقيقة نسخ متعددة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تعد السياسة مجرد إدارة مصالح، أو توازن قوى، أو حتى صراع جغرافى على النفوذ. ما نشهده اليوم هو انتقال عميق وخطير من «السياسة كإدارة واقع» إلى «السياسة كصناعة رواية».

لم يعد السؤال ماذا حدث؟ بل كيف يُروى ما حدث؟ ومن يملك حق روايته؟

فى العالم الجديد، لم تعد الحقيقة ثابتة بقدر ما أصبحت «قابلة للصياغة»، ولم تعد الوقائع كافية بذاتها، بل تحتاج إلى من يمنحها المعنى، ويوجه تفسيرها، ويضعها فى سياق يخدم رواية بعينها. هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

فى السابق، كانت الدولة هى الفاعل الأساسى فى إنتاج الرواية. الإعلام الرسمى، المؤسسات، وحتى الكتب المدرسية، كانت أدوات لصياغة رواية متماسكة، قد تختلف درجة دقتها، لكنها كانت، فى النهاية، رواية واحدة تسعى إلى ترسيخ نفسها كـ«الحقيقة». اليوم، هذا الاحتكار انتهى.

مع صعود المنصات الرقمية، تفككت السلطة التقليدية للرواية. لم يعد هناك صوت واحد، بل آلاف الأصوات. لم يعد هناك مركز واحد للخبر، بل شبكات لا مركزية تنتج وتعيد إنتاج وتفسير الأحداث فى لحظات. وهنا، لم تختفِ الحقيقة فقط، بل دخلت فى منافسة مفتوحة مع «نسخ متعددة منها».

هذا التعدد لم يؤدِّ إلى مزيد من الوضوح، بل إلى مزيد من الضباب. حين تصبح كل رواية ممكنة، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقى وما هو مُصنَّع. وهنا، لا ينتصر الأكثر صدقًا، بل الأكثر قدرة على الانتشار، أو الأكثر توافقًا مع قناعات الجمهور.

السياسة أدركت هذا التحول سريعًا. لم تعد تكتفى بإدارة الأحداث، بل تسعى إلى إدارة تفسيرها. لم يعد كافيًا أن تنتصر فى الميدان، بل يجب أن تنتصر فى الرواية. بل إن بعض الصراعات لم تعد تُحسم فى الواقع، بل فى إدراك الناس لها.

لم تعد القوة فقط فى امتلاك السلاح أو الاقتصاد، بل فى امتلاك «القدرة على الإقناع». من يستطيع أن يقنع الجمهور، محليًا أو عالميًا، بنسخته من الحقيقة، هو من يملك اليد العليا، حتى لو لم يكن الأقوى على الأرض.

ولعل أخطر ما فى هذا التحول هو أن الرواية لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت أداة لصناعته. حين تُروى الأحداث بطريقة معينة، فإنها لا تُفسَّر فقط، بل يُعاد تشكيلها فى وعى الناس، ومن ثم فى سلوكهم وقراراتهم.

الجمهور نفسه لم يعد متلقيًا سلبيًا. أصبح شريكًا فى صناعة الرواية. يختار ما يصدق، ويعيد نشر ما يتوافق مع قناعاته، ويتجاهل ما لا يناسبه. وهكذا، لا تنتشر الروايات الأقوى بالضرورة، بل الروايات الأكثر «قابلية للتصديق» داخل كل فئة.

المعركة اليوم ليست بين الحقيقة والكذب فقط، بل بين «القدرة على الإقناع» و«القدرة على التحقق». وإذا لم يُستعد التوازن بينهما، فإن العالم سيتجه أكثر نحو حالة من السيولة المعرفية، حيث كل شيء قابل للتأويل، وكل رواية قابلة للتصديق.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

للحقيقة نسخ متعددة للحقيقة نسخ متعددة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt