توقيت القاهرة المحلي 11:46:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

للحقيقة نسخ متعددة

  مصر اليوم -

للحقيقة نسخ متعددة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تعد السياسة مجرد إدارة مصالح، أو توازن قوى، أو حتى صراع جغرافى على النفوذ. ما نشهده اليوم هو انتقال عميق وخطير من «السياسة كإدارة واقع» إلى «السياسة كصناعة رواية».

لم يعد السؤال ماذا حدث؟ بل كيف يُروى ما حدث؟ ومن يملك حق روايته؟

فى العالم الجديد، لم تعد الحقيقة ثابتة بقدر ما أصبحت «قابلة للصياغة»، ولم تعد الوقائع كافية بذاتها، بل تحتاج إلى من يمنحها المعنى، ويوجه تفسيرها، ويضعها فى سياق يخدم رواية بعينها. هنا تبدأ المعركة الحقيقية.

فى السابق، كانت الدولة هى الفاعل الأساسى فى إنتاج الرواية. الإعلام الرسمى، المؤسسات، وحتى الكتب المدرسية، كانت أدوات لصياغة رواية متماسكة، قد تختلف درجة دقتها، لكنها كانت، فى النهاية، رواية واحدة تسعى إلى ترسيخ نفسها كـ«الحقيقة». اليوم، هذا الاحتكار انتهى.

مع صعود المنصات الرقمية، تفككت السلطة التقليدية للرواية. لم يعد هناك صوت واحد، بل آلاف الأصوات. لم يعد هناك مركز واحد للخبر، بل شبكات لا مركزية تنتج وتعيد إنتاج وتفسير الأحداث فى لحظات. وهنا، لم تختفِ الحقيقة فقط، بل دخلت فى منافسة مفتوحة مع «نسخ متعددة منها».

هذا التعدد لم يؤدِّ إلى مزيد من الوضوح، بل إلى مزيد من الضباب. حين تصبح كل رواية ممكنة، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقى وما هو مُصنَّع. وهنا، لا ينتصر الأكثر صدقًا، بل الأكثر قدرة على الانتشار، أو الأكثر توافقًا مع قناعات الجمهور.

السياسة أدركت هذا التحول سريعًا. لم تعد تكتفى بإدارة الأحداث، بل تسعى إلى إدارة تفسيرها. لم يعد كافيًا أن تنتصر فى الميدان، بل يجب أن تنتصر فى الرواية. بل إن بعض الصراعات لم تعد تُحسم فى الواقع، بل فى إدراك الناس لها.

لم تعد القوة فقط فى امتلاك السلاح أو الاقتصاد، بل فى امتلاك «القدرة على الإقناع». من يستطيع أن يقنع الجمهور، محليًا أو عالميًا، بنسخته من الحقيقة، هو من يملك اليد العليا، حتى لو لم يكن الأقوى على الأرض.

ولعل أخطر ما فى هذا التحول هو أن الرواية لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت أداة لصناعته. حين تُروى الأحداث بطريقة معينة، فإنها لا تُفسَّر فقط، بل يُعاد تشكيلها فى وعى الناس، ومن ثم فى سلوكهم وقراراتهم.

الجمهور نفسه لم يعد متلقيًا سلبيًا. أصبح شريكًا فى صناعة الرواية. يختار ما يصدق، ويعيد نشر ما يتوافق مع قناعاته، ويتجاهل ما لا يناسبه. وهكذا، لا تنتشر الروايات الأقوى بالضرورة، بل الروايات الأكثر «قابلية للتصديق» داخل كل فئة.

المعركة اليوم ليست بين الحقيقة والكذب فقط، بل بين «القدرة على الإقناع» و«القدرة على التحقق». وإذا لم يُستعد التوازن بينهما، فإن العالم سيتجه أكثر نحو حالة من السيولة المعرفية، حيث كل شيء قابل للتأويل، وكل رواية قابلة للتصديق.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

للحقيقة نسخ متعددة للحقيقة نسخ متعددة



GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 07:11 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ماذا فى «جراب» الاتفاق الأمريكى- الإيرانى؟

GMT 07:09 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الانسحاب والاحتلال

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt