توقيت القاهرة المحلي 11:39:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين يتحول النصر إلى عبء

  مصر اليوم -

حين يتحول النصر إلى عبء

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى لحظات التحول الكبرى فى التاريخ، لا تكون الهزيمة دائمًا هى الخطر الحقيقى على الإمبراطوريات، بل أحيانًا يكون النصر نفسه هو بداية التراجع. هذا المعنى أعاد طرحه بوضوح الكاتب البريطانى لارى إليوت، فى مقاله بصحيفة «الجارديان»، حين شبّه الحرب الجارية مع إيران بإحدى أكثر اللحظات دلالة فى التاريخ البريطانى «حرب البوير»، بوصفها نموذجًا لـ«النصر الأجوف» الذى يكلّف أكثر مما يمنح.

حرب البوير (١٨٩٩– ١٩٠٢) اندلعت بين الإمبراطورية البريطانية ومستوطنى البوير فى جنوب أفريقيا. فى بدايتها، بدت الحرب محسومة سلفًا ولن تستغرق سوى أسابيع. لكنها تحولت إلى استنزاف طويل، اعتمد فيه البوير على تكتيكات حرب العصابات، ما أربك الجيش البريطانى وأجبره على نشر قوات ضخمة، واستخدام سياسات قاسية مثل معسكرات الاعتقال للمدنيين، الأمر الذى أثار موجة انتقادات أخلاقية دولية. انتهت الحرب بانتصار بريطانيا، لكنها خرجت منهكة، وقد تضررت صورتها العالمية، وبدأت تتكشف حدود قدرتها على فرض إرادتها، فى لحظة تاريخية كانت تشهد صعود قوى جديدة كأمريكا وألمانيا.

المواجهة مع إيران، التى كان يُفترض أن تكون سريعة وحاسمة بفعل التفوق العسكرى الأمريكى والإسرائيلى، تحمل مؤشرات على أنها تتحول إلى صراع أطول وأكثر تعقيدًا. إيران لا تواجه القوة بالقوة التقليدية، بل بمنطق الاستنزاف، وتوسيع نطاق التوتر إقليميًا. وهى بذلك ترفع كلفة الحرب إلى حد يجعل «النصر» عبئًا.

ساحة المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية. فتعطّل حركة الملاحة فى مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط والغاز، لا يمثلان مجرد آثار جانبية، بل أدوات ضغط استراتيجية. التاريخ الاقتصادى يوضح أن كل صدمة كبيرة فى أسعار الطاقة تبدأ بتضخم، ثم تنتهى بركود. وهذا ما حدث بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، حين أدى ارتفاع أسعار النفط إلى إنهاء حقبة الازدهار الاقتصادى الطويل.

قد تحقق أمريكا أهدافها العملياتية، وقد تثبت تفوقها العسكرى، لكن إذا جاء ذلك على حساب اضطراب اقتصادى عالمى، وضغوط داخلية متزايدة، وتآكل فى صورتها كقوة قادرة على الحسم السريع، فإن النتيجة تقترب كثيرًا من نموذج «النصر الأجوف». وهو نصر لا يُقاس بنتائج المعركة، بل بما يتركه من آثار على مكانة الدولة فى النظام الدولى.

المفاضلة الآن إما إنهاء الحرب سريعًا مع قبول واقع سياسى غير مكتمل، أو الاستمرار فى صراع قد يتحول إلى استنزاف طويل. كلا الخيارين يحمل كلفة، لكن الثانى يفتح الباب أمام سيناريو تاريخى مألوف، انتصار عسكرى يكشف حدود القوة بدل أن يؤكدها.

الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالتآكل حين تتحول قدرتها على الانتصار إلى عبء. والسؤال الذى يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على كسب الحرب، بل ما إذا كان هذا الكسب، إن تحقق، سيعزز مكانتها، أم سيكون، كما كانت حرب البوير لبريطانيا، بداية كشف حدودها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين يتحول النصر إلى عبء حين يتحول النصر إلى عبء



GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 07:11 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ماذا فى «جراب» الاتفاق الأمريكى- الإيرانى؟

GMT 07:09 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الانسحاب والاحتلال

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt