توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة (٢)

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة ٢

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى ضوء التطورات الأخيرة فى فنزويلا، وما تردد عن ضربات أمريكية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد، يعود إلى الواجهة سؤال قديم فى أمريكا اللاتينية: هل نحن أمام حدث استثنائى، أم حلقة جديدة فى سلسلة طويلة من «هندسة تغيير السلطة» التى عرفتها القارة على مدار قرنين؟. التاريخ القريب والبعيد يقول إن فنزويلا ليست استثناءً، فمنذ أن أرست واشنطن «مبدأ مونرو» فى القرن التاسع عشر، تشكّلت عقيدة سياسية ترى فى أمريكا اللاتينية مجال نفوذ خاصا، لا ساحة عادية فى العلاقات الدولية. ومع «ملحق روزفلت»، مطلع القرن العشرين، تحولت الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، تُستخدم كلما رأت واشنطن أن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» يهددان مصالحها.

خذ مثلًا جواتيمالا عام ١٩٥٤، حين أطاحت عملية PBSUCCESS بحكومة جاكوبو آربينز. لم تكن الدبابات هى الأداة الأساسية، بل الحرب النفسية، تفكيك الشرعية، وتنظيم الفاعلين المحليين بما يخدم سيناريو معدًا سلفًا. كانت تلك واحدة من أولى التجارب المكتملة لتغيير السلطة بأدوات غير مباشرة، لكنها شديدة الفعالية.

وفى تشيلى عام ١٩٧٣، جاء الانقلاب على سلفادور أليندى ليصبح رمزًا عالميًا لثمن التدخل الخارجى حين يُقدَّم «الاستقرار» على حساب السياسة والإنسان. سقط الرئيس، لكن البلاد دخلت عقودًا من القمع والاستقطاب، وما زالت آثار تلك اللحظة حاضرة فى الذاكرة الجماعية.

أما نيكاراجوا فى الثمانينيات، فقدمت نموذج الحرب بالوكالة. دعم «الكونترا» لم يكن هدفه إسقاط الحكومة بسرعة، بل إنهاك الدولة والمجتمع سنوات طويلة حتى يصبح أى تغيير، مهما كان ثمنه، مخرجًا مقبولًا. وفى بنما عام ١٩٨٩، أظهرت «عملية القضية العادلة» كيف يمكن أن يتحول حليف الأمس إلى خصم اليوم عندما تتغير الحسابات وتتراكم الملفات. ولا تختلف هاييتى عام ٢٠٠٤ كثيرًا عن هذا المسار، حيث تداخلت العناوين الإنسانية مع هندسة الفعل السياسى على الأرض، وانتهى الأمر ببلد أكثر هشاشة وانقسامًا. هذه النماذج لا تُستحضر للنوستالجيا السياسية، بل لفهم منطق يتكرر بثلاثة محركات أساسية. أولها الأمن القومى بمعناه الواسع، أى تموضعا معاديا قريبا جغرافيًا، أو احتمال تمدد نفوذ قوة منافسة، يُقرأ كخطر مستقبلى يستدعى التدخل المبكر. ثانيها الاقتصاد، وخاصة الطاقة والأسواق، حيث تعمل العقوبات والضغوط المالية كأدوات موازية للسلاح. وثالثها السياسة الداخلية الأمريكية نفسها، إذ كثيرًا ما تتحول الساحات الخارجية إلى أوراق تُستخدم فى صراعات الداخل والانتخابات.

المشكلة أن التدخل لا يتوقف عند إسقاط رئيس أو إضعاف نظام. غالبًا ما يفتح سلسلة طويلة من الارتدادات: تفكك مؤسسات، تعميق الانقسامات، عسكرة السياسة، واقتصاد ظلّ مزمن. وبعد سنوات، تصبح الدولة «غير مستقرة» بما يكفى لتبرير تدخل جديد.. وتستمر الدائرة. أخبار فنزويلا الأخيرة لا تُقرأ فى القارة كسؤال عن «ما حدث اليوم»، بل كقلق عميق حول «ما الذى سيحدث لاحقًا». فالتاريخ علّم أمريكا اللاتينية أن ليلة واحدة قد تكون بداية فصل كامل، وأن ما يُقدَّم بوصفه حسمًا سريعًا، غالبًا ما ينتهى بتكلفة طويلة يدفعها الناس لا العناوين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة ٢ هندسة تغيير السلطة ٢



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt