توقيت القاهرة المحلي 08:20:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شروط التسوية الحقيقية

  مصر اليوم -

شروط التسوية الحقيقية

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تقف على حافة تسوية جديدة أو إعادة تشكيل، يعود السؤال القديم بثقل أكبر: هل المشكلة مع إيران هى فى خلاف سياسى يمكن احتواؤه، أم فى نموذج كامل من السلوك يصعب تغييره؟. التجربة الممتدة لما يقرب من نصف القرن تميل بوضوح إلى الإجابة الثانية. فإيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام ١٩٧٩، لم تتعامل مع محيطها الخليجى باعتباره فضاءً لعلاقات متكافئة، بل كساحة مفتوحة لتوسيع النفوذ، مستندة إلى مزيج من العقيدة الثورية، وأدوات القوة غير التقليدية، وشبكات ممتدة تتجاوز حدود الدولة.


لم يكن هذا المسار وليد لحظة، بل تدرّج عبر سنوات من بناء أدوات التأثير. بدأ بخطاب سياسى يتحدث عن «نصرة المستضعفين»، لكنه سرعان ما تحول إلى استراتيجية عملية تقوم على خلق مراكز نفوذ داخل الدول العربية، عبر دعم جماعات مسلحة، وتغذية انقسامات داخلية، وإعادة تشكيل توازنات القوة فى أكثر من ساحة. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأذرع مجرد أدوات ضغط، بل تحولت فى بعض الحالات إلى قوى حاكمة أو شريكة فى الحكم، تمتلك قرار الحرب والسلم داخل دولها. وهنا لم يعد الحديث عن نفوذ تقليدى، بل عن إعادة رسم للسيادة نفسها.

ولعل ما يلفت الانتباه أن هذا المسار لم يكن خفيًا أو مستترًا. على العكس، كانت هناك لحظات من «التباهى السياسى» بامتداد النفوذ الإيرانى فى أكثر من عاصمة عربية. لم تكن المسألة مجرد تصريحات عابرة، بل هى انعكاس لإحساس متنامٍ داخل دوائر القرار فى طهران بأن المشروع نجح فى تثبيت أقدامه، وأن أدواته باتت قادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفق تصوراته.


لكن التهديد الحقيقى لم يكن فقط فى بناء هذه الشبكات، بل فى طبيعة الأدوات المستخدمة لحمايتها وتعزيزها. فإيران لم تعتمد على النفوذ السياسى وحده، بل استثمرت بكثافة فى تطوير منظومة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، واستخدمتها، مباشرة أو عبر وكلائها، كوسيلة ضغط استراتيجية. وهنا تحولت المنطقة إلى مسرح مفتوح لرسائل النار، حيث يمكن استهداف منشآت حيوية، أو ممرات ملاحية، أو مدن مدنية، فى إطار صراع تتداخل فيه الحدود بين الفاعل المباشر والفاعل غير المباشر.

الخليج كان فى قلب هذا الاستهداف. لم يكن الأمر مجرد توترات نظرية أو تهديدات خطابية، بل وقائع ميدانية تكررت بأشكال مختلفة، من استهداف السفن والمنشآت النفطية، إلى الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، وصولًا إلى ضربات مباشرة طالت مدنًا ومنشآت مدنية. وكانت الإمارات، فى أكثر من محطة، ضمن الأهداف المباشرة، رغم أنها كانت من أكثر الدول حرصًا على التهدئة، والسعى إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هنا تتجلى المفارقة الأساسية، دول الخليج، التى سعت مرارًا إلى تجنب الحرب، وجدت نفسها فى مرمى التهديد ذاته الذى حاولت احتواءه. لم يكن ذلك نتيجة تصعيد منها، بل نتيجة طبيعة المشروع الإيرانى نفسه، الذى لا يكتفى برد الفعل، بل يبادر بصناعة أدوات الضغط واستثمارها. وهكذا، بدل أن يُكافأ خيار التهدئة، أصبح مساحة إضافية للحركة والعدوان.

هذا ما يجعل أى حديث عن تسوية قادمة غير قابل للفصل عن سؤال الضمانات. لأن المشكلة ببساطة ليست فى غياب الاتفاقات، بل فى طبيعتها. الاتفاقات التى تركز على جانب واحد، كالملف النووى، وتتجاهل بقية عناصر القوة الإيرانية، تترك الباب مفتوحًا لإعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة. وما لم يتم التعامل مع منظومة الصواريخ، وشبكات الوكلاء، وآليات التدخل غير المباشر، فإن أى تهدئة ستبقى مؤقتة، وأى استقرار سيظل هشًا.

المنطق هنا ليس تصعيديًا، بل واقعيًا. فالدول لا تبنى سياساتها على النوايا، بل على الخبرة المتراكمة. والخبرة الخليجية مع إيران تقول إن المشكلة ليست فى لحظة توتر عابرة، بل فى نمط متكرر من السلوك، يتغير فى الشكل لكنه يحتفظ بالجوهر. ولذلك، فإن التسوية الجدية الوحيدة هى التى تعالج هذا الجوهر، لا تلك التى تكتفى بإدارة أعراضه.

أى اتفاق مستقبلى، إذا أراد أن يكون مختلفًا، يجب أن يتضمن شروطًا واضحة وملزمة، وقف دعم وتسليح الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، فرض قيود قابلة للتحقق على الصواريخ والطائرات المسيّرة، ضمان أمن الملاحة والطاقة، والالتزام بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول عبر أدوات غير رسمية. هذه ليست شروطًا تعجيزية، بل الحد الأدنى لأى نظام إقليمى مستقر لا تستفيد بها دول الخليج وحدها بل كل دول المنطقة. وللتذكير لا نعلم حتى الآن ما إذا كانوا قد غيروا اسم شارع خالد الإسلامبولى فى طهران، قاتل الرئيس السادات، كما وعدوا مؤخرا أم لا.

قد يقول البعض إن مثل هذه الشروط صعبة التحقيق، وربما غير واقعية فى ظل توازنات القوة الحالية. لكن البديل أكثر كلفة. هو العودة إلى الدائرة نفسها، حيث تتكرر الأزمات، وتتبدل أدواتها، بينما يبقى جوهرها ثابتًا. تسويات بلا ضمانات، تهدئات بلا التزامات، واتفاقات تمنح الوقت دون أن تغير السلوك.

الأمر لا يتعلق بإيران وحدها، بل بطبيعة النظام الإقليمى الذى يتشكل. إما أن يكون نظامًا قائمًا على قواعد واضحة تحكم السلوك وتحد من الفوضى، أو أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات بالوكالة، وحروب غير معلنة، وأزمات تتجدد كلما تخيلنا أنها انتهت. وبين هذين الخيارين، لا يبدو أن لدى دول الخليج ودول المنطقة ترف الانتظار طويلًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شروط التسوية الحقيقية شروط التسوية الحقيقية



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt