توقيت القاهرة المحلي 15:44:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غطرسة أمريكية بوجه ترامبي

  مصر اليوم -

غطرسة أمريكية بوجه ترامبي

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يكن المبعوث الأمريكى الخاص إلى سوريا ولبنان، توم باراك، مجرد زائر دبلوماسى آخر إلى قصر بعبدا فى بيروت هذا الأسبوع. لقد كان حضوره أشبه بحضور حى للصورة النمطية عن السلوك الأمريكى فى الشرق الأوسط: متعالٍ، عنيف فى اللغة، ومفتقر لأدنى قواعد الاحترام الثقافى والدبلوماسى. حين وقف باراك، على منبر الرئاسة اللبنانية، مخاطبًا الصحفيين بعبارات فظة متغطرسة قائلًا: «حين يصبح الوضع فوضويًا وحيوانيًا، سنرحل من هنا»، لم يكن يرتكب مجرد زلة لسان، حتى لو بدأ كذلك، بل كان يعبر عن موقف عميق الجذور، يفيض بالتفوق الأخلاقى المزعوم، ويعيد إلى الأذهان صورة الأمريكى المتقدم وهو يؤدب «الشرق المتخلف».

بعيدًا عن السياق الظاهرى للمؤتمر الصحفى الذى جاء ضمن زيارة لمناقشة ملف نزع سلاح حزب الله، فإن الطريقة التى خاطب بها باراك الصحفيين اللبنانيين تكشف جوهرًا أعمق: عقلية استعمارية قديمة متجددة، ترى فى شعوب المنطقة رعايا لا رفاقًا، وفى الإعلام المحلى غوغاء لا شركاء. وما زاد الطين بلة أن هذا التعالى جاء من على منبر رسمى لبنانى، يُفترض أنه محاط بالبروتوكول واللياقة، لا مسرحًا لعروض الإهانة العلنية.

ولعل أكثر ما يثير السخرية السوداء فى كلمات باراك ليس فقط استخدامه مصطلح «الحيواني» فى وصف الحضور، بل أنه ربط هذا «السلوك» بما وصفه بأنه «مشكلة المنطقة». أى أنه فى لحظة واحدة، وبتعبير واحد، لم يكتف بإهانة الصحفيين، بل ضمَّ المنطقة برمّتها إلى وصفه، مانحاً لنفسه صلاحية إطلاق حكم حضارى شامل على شعوب، وثقافات.

هذا النمط من الخطاب لا يمكن فصله عن السلوك السياسى العام للإدارة الأمريكية التى يمثلها باراك. فهو ينتمى إلى فريق الرئيس ترامب، الذى أسّس خطابًا سياسيًا يقوم على الوقاحة الاستعراضية، وازدراء المعايير، ونشر الغطرسة. ما فعله باراك كان استمرارًا لنهج ترامب، معاملة الصحفيين بازدراء، وخفض مستوى الخطاب الدبلوماسى إلى مستويات تهكمية. فمن منّا ينسى كيف خاطب ترامب الصحفيين الأمريكيين أنفسهم، ووصفهم بـ «أعداء الشعب»، أو كيف أدار ظهره لمراسلى «سى إن إن» و«واشنطن بوست» فى مؤتمراته؟.

المشهد لم يمرّ دون ردّ. فقد توالت الإدانات من نقابة الصحافة، ومن رئاسة الجمهورية نفسها، التى اضطرت إلى إصدار بيان تعبر فيه عن أسفها لكلام «صدر من على منبرها». كما دعت شخصيات إعلامية وسياسية إلى مقاطعة أنشطة باراك الصحفية، فيما طالبت النقابة باعتذار علنى. أما الشارع اللبنانى، فقد عبّر عن غضبه من خلال موجة تفاعلات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعى، رأى كثيرون فيها أن ما حدث لم يكن مجرد إهانة لصحفيين، بل تقليلًا من شأن بلد بأكمله.

فى زمن تتقاطع فيه خطابات ما بعد الاستعمار مع صعود الشعبوية الغربية، تصبح لحظة واحدة، مثل ما فعله باراك، مرآة واضحة لجوهر المشهد: نحن أمام إدارة لا ترى فى «الشرق» سوى فوضى، تستحق التهذيب لا الاحترام، والتأديب لا الشراكة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غطرسة أمريكية بوجه ترامبي غطرسة أمريكية بوجه ترامبي



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt