توقيت القاهرة المحلي 15:03:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخطأ يبدأ من تجاهل التفاصيل الصغيرة

  مصر اليوم -

الخطأ يبدأ من تجاهل التفاصيل الصغيرة

بقلم:عبد اللطيف المناوي

فى لحظات كثيرة من التاريخ، لم تبدأ التحولات الكبرى بخطب مدوية، ولا بقرارات معلنة، ولا حتى بحروب ضخمة. بدأت غالبًا من الهامش. من تفصيل صغير بدا فى لحظته عابرًا، أو خطأ محدود ظنه الجميع بلا أثر، أو حدث محلى لم يتوقع أحد أنه سيعيد تشكيل العالم.

لكن التاريخ، فى كثير من الأحيان، لا يتحرك من المركز كما نتصور، بل من الأطراف. من تلك المساحات التى لا يراقبها أحد جيدًا، أو التى تُعامل باعتبارها أقل أهمية من أن تُقرأ بعمق.

هذه واحدة من أكثر المفارقات إثارة فى السياسة والتاريخ والمجتمعات، أن الأحداث الكبرى غالبًا ما تكون نتيجة تراكمات صغيرة لم ينتبه إليها أحد فى وقتها.

فى يونيو ١٩١٤، لم يكن اغتيال ولى عهد النمسا فرانز فرديناند فى سراييفو يبدو، فى لحظته الأولى، حدثًا كفيلًا بإشعال العالم. حادثة اغتيال فى مدينة بعيدة نسبيًا عن مراكز القرار الأوروبية الكبرى. لكن تلك الرصاصة الصغيرة أطلقت سلسلة من التحالفات والتعبئة العسكرية والتوترات المتراكمة، لتنتهى بحرب عالمية أولى حصدت أكثر من ١٦ مليون قتيل، وغيرت شكل أوروبا والعالم.

المشكلة لم تكن فى الرصاصة نفسها، بل فى البيئة التى كانت تنتظر شرارة. وهذا هو الدرس الأهم، التحولات الكبرى لا يصنعها الحدث الصغير وحده، بل هشاشة البنية التى يستقر فوقها. الأزمات الاقتصادية أيضًا كثيرًا ما تبدأ من الهامش. أزمة ٢٠٠٨ المالية العالمية، التى أطاحت بمؤسسات مالية عملاقة وأدخلت الاقتصاد العالمى فى واحدة من أسوأ أزماته منذ الكساد العظيم، بدأت من قطاع كان يبدو محدود التأثير نسبيًا، قروض الرهن العقارى عالية المخاطر فى السوق الأمريكية.

فى البداية تعامل كثيرون مع الأزمة باعتبارها مشكلة محلية فى سوق الإسكان. لكن ما لم يكن واضحًا آنذاك أن النظام المالى العالمى كله أصبح مترابطًا إلى درجة جعلت تعثر قروض أفراد محدودى الدخل فى أحياء أمريكية فقيرة قادرًا على إسقاط بنوك فى أوروبا وآسيا. مرة أخرى، لم يكن الخطر فى «التفصيل»، بل فى تجاهل الترابط الخفى بين التفاصيل.

حتى التغيرات الاجتماعية والسياسية الكبرى كثيرًا ما تبدأ من الهامش الاجتماعى أو النفسى، لا من قلب النخب السياسية. البائع التونسى محمد البوعزيزى، عندما أحرق نفسه فى ديسمبر ٢٠١٠ احتجاجًا على الإهانة والفقر، لم يكن يدرك أنه سيصبح رمزًا لبداية موجة هائلة من التحولات السياسية فى العالم العربى.

حادثة فردية فى مدينة مهمشة تحولت إلى انفجار إقليمى، سواء باستخدامها، أو حتى صنعها، من اطراف تعبث بالمنطقة أو جماعات تسعى لتحقيق أهدافها، استفادت من حالة المجتمعات التى كانت ممتلئة أصلًا بالغضب والإحباط والاختناق.

الأحداث الصغيرة تصبح خطيرة عندما تعبّر عن مشاعر كبيرة صامتة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخطأ يبدأ من تجاهل التفاصيل الصغيرة الخطأ يبدأ من تجاهل التفاصيل الصغيرة



GMT 08:40 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

ماذا يبقى لإيران بعد استهداف الجوار؟

GMT 07:34 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

إيران... الهدنة لا تُنهي الحروب

GMT 07:17 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

النبطية... تراجيديا المدن العامرة

GMT 05:28 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (3)

GMT 05:25 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

تعاليم بتاح حتب

GMT 05:20 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

أوروبا والليفة والصابونة

GMT 05:18 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

طه في المدينة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:28 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

أتلتيكو مدريد يسقط بخماسية أمام فياريال

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,26 أيار / مايو

حكم صيام يوم عرفة للحجاج وغير الحجاج

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 04:33 2018 الثلاثاء ,13 آذار/ مارس

" NT2 " يتحرى روابط على غوغل تخص ماضيه الإجرامي

GMT 14:02 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مدرب المقاصة يؤكد سعادته بالفوز على الزمالك

GMT 16:39 2021 الأربعاء ,16 حزيران / يونيو

البورصة المصرية تختتم اليوم بتراجع جماعي للمؤشرات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt