بقلم: عبد اللطيف المناوي
كما ذكرنا من قبل، الانتصارات التى يحققها الجيش السودانى يمكن أن تقرّب السلام ويمكن أن تبعده. هى تمنح الجيش دخول التفاوض من موقع أفضل. لكنها قد تخلق فى الوقت نفسه وهما أكثر خطورة، أن النصر الكامل أصبح قريبا، وأن بضعة أشهر إضافية من الحرب قد تنهى الدعم السريع عسكريا.
وتجربة السنوات الثلاث تقول إن هذا رهان شديد الخطورة. الدعم السريع، حتى بعد خسارته الخرطوم ومناطق أخرى، لايزال يملك نفوذ واسع فى غرب البلاد وقدرات عسكرية واقتصادية وشبكات إقليمية. استمرار الحرب بحثا عن انتصار كامل يمكن أن يؤدى بدلا من ذلك إلى تكريس تقسيم فعلى للسودان، سلطة فى الشرق والوسط، وأخرى فى الغرب، وبينهما مناطق حرب ممتدة.
ولهذا تكتسب المبادرة الأمريكية الحالية أهمية خاصة. فالخطة تتحدث عن هدنة إنسانية لمدة ٩٠ يوماً، ثم مفاوضات لوقف دائم للنار وانتقال مدنى. وقد أبدى الجانب الحكومى موافقة على أجزاء كبيرة منها، لكنه طالب بانسحاب كامل لقوات الدعم السريع من المدن قبل المضى فى التسوية، بينما تطالب واشنطن بالبدء من دون شروط مسبقة.
يمكن هنا البناء على الاقتراح بأن السعودية ومصر وتركيا لديها القدرة على إقناع الجيش بأن التفاوض الآن ليس مكافأة للدعم السريع ولا تنازلا له، بل محاولة لتحويل المكاسب العسكرية إلى مكسب سياسى. وفى المقابل، إذا كانت الإمارات تمتلك بالفعل النفوذ الذى ينسب إليها على قوات الدعم السريع، فإن الاختبار الحقيقى سيكون استخدامه لفرض وقف النار، وليس مجرد الدعوة إليه.
وموسم الأمطار يوفر نافذة إضافية، لأنه يبطئ تقليدياً العمليات البرية. صحيح أن انتشار الطائرات المسيّرة جعل الطقس أقل قدرة على إسكات الحرب. وقد أصبحت المسيّرات مسؤولة عن نسبة كبيرة للغاية من الخسائر المدنية خلال العام الحالى، لكن تراجع حركة القوات يظل فرصة لفرض هدنة إنسانية والبدء فى التفاوض.
لا أعتقد أن الحرب السودانية أصبحت قريبة من النهاية بالمعنى المباشر. لاتزال هناك أسلحة كثيرة، ومصالح كثيرة، وثارات أكثر، كما أن كل طرف لايزال يعتقد أن الوقت قد يعمل لمصلحته. لكن الجديد أن مصالح بعض الذين ساعدوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة على إطالة الحرب ربما بدأت تتغير.
وهذا هو الأمل الصغير الذى تشير إليه «الإيكونوميست» فى التقرير الذى أشرت إليه. ليس أن المتحاربين تعبوا من القتال، بل إن تكلفة استمرارهم فيه قد تصبح أعلى من تكلفة التسوية.
إذا انتهى موسم الأمطار واستؤنفت المعارك الكبرى حول كردفان ودارفور، واقتنع الجيش بإمكان تحقيق انتصار شامل، بينما واصلت قوات الدعم السريع بناء كيانها فى الغرب، فقد لا يكون السؤال بعد ذلك كيف تنتهى الحرب، وإنما كيف يمكن إعادة جمع السودان نفسه.
ذلك هو الفارق بين أن نتعامل مع اللحظة الراهنة باعتبارها هدنة عابرة فى حرب منسية، أو باعتبارها ربما الفرصة الأخيرة حتى لا يصبح تقسيم السودان أمراً واقعا.