توقيت القاهرة المحلي 17:56:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع

  مصر اليوم -

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع

بقلم:مأمون فندي

خلال العام الماضي، سيطر مفهوم «هيدجينغ»، أو التحوّط الاستراتيجي، على جانب مهم من الكتابات الأميركية عن السياسة الخارجية السعودية. وفي عدد مايو - يونيو (أيار - حزيران) من «فورين أفيرز»، طرح ماريا فانتابييه وفالي نصر السؤالَ بصورة مباشرة: هل ستستمر السعودية في سياسة التحوّط؟

الفكرة، باختصار، أن الرياض لا تريد وضع كل أوراقها في سلة واحدة: تحافظ على تحالفها مع الولايات المتحدة، وتوسع علاقاتها مع الصين، وتفتح قنوات مع إيران، ولا تريد هيمنة إيرانية أو إسرائيلية على الإقليم. إنها تنوّع العلاقات لتقليل مخاطر الاعتماد على قوة واحدة.

هذه عدسة مفيدة، لكنها، في رأيي، لم تعد كافية لفهم ما يحدث، خصوصاً بعد اتفاق مكة.

«اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تحتاج إلى عدسة أخرى. التحوّط يصف كيف تتحرك دولة بين قوى مختلفة، أما ما يحدث الآن فهو أقرب إلى هندسة أمنية جديدة تقوم على الردع متعدد الطبقات. هناك فارق بين توزيع الرهانات وبين تصميم البناء.

ومن هنا يكون المدخل الأفضل لفهم «اتفاقية مكة» هو النظر إليه من الرياض أولاً، ثم توسيع العدسة إلى الإقليم.

من المنظور السعودي، لا يبدأ الأمن من الصفر. هناك علاقة أمنية وعسكرية ممتدة مع الولايات المتحدة. لم يلغها الاتفاق الجديد، وفوق هذه الطبقة جاءت «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك» السعودية - الباكستانية التي وُقعت في الرياض في 17 سبتمبر (أيلول) 2025. والآن تدخل تركيا طبقة أخرى في البناء.

المسألة إذن ليست استبدال مظلة بمظلة، وإنما الانتقال من المظلة إلى الطبقات؛ من الضامن الواحد إلى تعدد الضمانات، ومن الردع أحادي المصدر إلى ردع متعدد الطبقات.

أما عدسة الهندسة الأمنية فتطرح سؤالاً مختلفاً: كم طبقة من الردع تستطيع الدولة أن تبني، بحيث لا يؤدي اهتزاز طبقة واحدة إلى انحلال البناء؟ الولايات المتحدة طبقة، وباكستان طبقة، وتركيا طبقة. ولا تؤدي الطبقات الوظيفة نفسها: أميركا قوة عظمى وضامن تاريخي، وباكستان قوة عسكرية نووية ذات علاقة استراتيجية عميقة بالسعودية، وتركيا قوة إقليمية وعضو في حلف شمال الأطلسي، بما يجعلها جسراً بين المنظومة الأطلسية القديمة والبنية الإقليمية الجديدة. وهناك عدسة ثانية للاتفاق: طبيعته المؤسسية.

فحسب ما كتبه وكيل وزارة الخارجية السعودي الدكتور رائد قرملي، وهو أستاذ سياسة قبل أن يكون دبلوماسياً، فإن الاتفاق ليس نادياً مغلقاً للدول الثلاث، كما أنَّه ليس تحالفاً طائفياً أو نووياً. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنَّ المؤسسة، بخلاف الصفقة، قابلة للاتساع.

لذا، نحن أمام محاولة لبناء نظام أمني إقليمي.

أما العدسة الثالثة فهي عدسة الخصم، لأن الردع لا يبدأ عند إطلاق الصاروخ الأول، بل في عقل من يفكر في إطلاقه. اتفاق يقوم على أن الاعتداء على طرف يدخل في الحسابات الأمنية للأطراف الأخرى، يغيّر حسابات الخصم، حتى قبل معرفة التفاصيل العملياتية. فالطبقات لا تضيف قوة فقط، إنها تضيف عدم اليقين إلى حسابات الطرف الآخر. ومن هذه العدسة يجب النظر إلى إيران أيضاً.

إيران حاضرة بالتأكيد في الحسابات السعودية، ببرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي وتجربتها في الحرب غير المباشرة. لكن بناء طبقات الردع لا يعني إغلاق باب طهران. السياسة السعودية تبدو أقرب إلى معادلة: ردع مع إبقاء الهاتف مفتوحاً. رفع تكلفة المغامرة، مع الحفاظ على الاتصال لمنع الحرب.

وهذه ليست مفارقة، بل إحدى سمات النظام الجديد: تستطيع الدولة أن تردع طرفاً في مساحة، وتتفاوض معه في مساحة أخرى.

تبقى العدسة الأخيرة: إسرائيل.

تحدث بنيامين نتنياهو طويلاً عن «شرق أوسط جديد»، وكان الافتراض أن إسرائيل هي التي تشكل الشرق الأوسط الجديد. لكن الشرق الأوسط الجديد كما تجلَّى أمامنا تشكله السعودية وتركيا وباكستان، دول ترسم الآن خطاً مهماً في الخريطة الإقليمية، وإسرائيل ليست طرفاً فيها. ولا يحتاج الاتفاق إلى أن يكون موجهاً ضدها حتى يصبح غيابها ذا دلالة.

أحياناً لا تكون أهم علامة على تغير النظام الإقليمي هي من يجلس إلى المائدة، بل من يستطيع الآخرون ترتيب المائدة من دون وجوده على الطاولة.

لهذا ربما حان الوقت لتغيير العدسة. التحوّط فسّر مرحلة كانت السعودية توسع فيها خياراتها داخل النظام القائم. أما «اتفاقية مكة» فتشير إلى شيء آخر: السعودية لا توسع خياراتها داخل البناء فحسب، بل تشارك في إعادة تصميمه. طبقة أميركية لم تختفِ، وطبقة باكستانية أضيفت، وطبقة تركية تدخل الآن، وقد يدخل من يدخل غداً. السؤال إذن هو: كيف تبني دولة أمنها بحيث لا يصبح رهينة ضمانة واحدة؟

السعودية لا تغيّر المظلة؛ إنها تغيّر هندسة المبنى كله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع «اتفاقية مكة» وطبقات الردع



GMT 07:38 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الانقياد نحو النقيض

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

لسان «القاعدة»: لدينا أكثر من «همام»

GMT 07:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

( يا غلام أعطه 100 ألف درهم..)!

GMT 07:22 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حتى في السياحة نفشل وينجحون

GMT 06:34 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

رفع راية الدين فوق الصواريخ

GMT 06:29 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أكتوبر الفلسطيني بين المحاكمة والتقويم والخلاصة

GMT 06:24 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الإعلام بين مطرقة السبق وسندان الحقائق

GMT 06:05 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الدبلوماسية لا تعني طمرَ الجمر بالرماد

نادين نجيم بإطلالات ساحرة في زفاف المصممة تمارا رالف

باريس ـ مصر اليوم

GMT 07:17 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات سياحية عالمية تستحق الاكتشاف في خريف 2026

GMT 09:02 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين
  مصر اليوم - جرعة جينية واحدة تحسن البصر وتعيد بناء شبكية العين

GMT 14:56 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات
  مصر اليوم - تامر حسني يعود الى مسارح لندن بعد غياب ثماني سنوات

GMT 09:25 2026 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد
  مصر اليوم - غوغل تبدأ رسمياً تقييد تثبيت التطبيقات الخارجية في أندرويد

GMT 04:54 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 05:00 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:52 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:37 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:57 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:49 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:35 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 10:38 2019 السبت ,28 كانون الأول / ديسمبر

ميراث العلماء يعمر الكون ويقهر ظلمات الجهل والخرافة

GMT 04:56 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 04:38 2026 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 09 سبتمبر/ أيلول 2026

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 13:08 2025 الثلاثاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

ألوان الموضة لخريف وشتاء 2026 توازن بين الأصالة والابتكار

GMT 01:30 2017 الأحد ,17 أيلول / سبتمبر

سارة سلامة بزيادة وزن كبيرة في أحدث إطلالة لها

GMT 14:33 2019 الأحد ,08 أيلول / سبتمبر

مطلوب موظفين بعدة مجالات في الكويت والامارات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt