توقيت القاهرة المحلي 21:56:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

  مصر اليوم -

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم يكن الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر من عرض الأسماء العابرة؛ وإنمّا نحت اسمه في تاريخ الفلسفة، ما عاد استنطاق المفاهيم الفلسفية ليتمّ لولا المغامرة المفهومية والتأمليّة التي بوّبها على طريقته ضمن قنطرةٍ هي بين الوجودية والظاهراتية.

لقد أثار الجدل الفلسفي من جهةٍ، ومن جهة أخرى وشوش على مناوئيه سياسياً حيث اتُّهم بـ:«النازية» في آخر سنينه.

ألقى موقفه من «النازية» ظلالاً كثيفة على اسمه، مما حدا بفيلسوف زميل وصديق له في تقييم كتبه في جامعة فرايبورغ في نهاية عام 1945 إلى أن يكتب عنه لـ«لجنة التطهير السياسي» وجاء فيه: «عقلية هيدغر في ماهيتها غير حرة تماماً، بل ديكتاتورية وغير تواصلية».

كانت شخصية هيدغر مكثّفة بين طلابه، وكانت حياته هي فلسفته، غير أن الأهم موضوع فلسفته وجوهرها. ربما كان كتابه «الكينونة والزمان» الصادر لأول مرة عام 1927 من بين أهم كتبه، بالإضافة إلى شروحاته ومحاضراته، من بينها كتابه عن «الشيء في ذاته» متداخلاً مع مقولة كانط، هذا فضلاً عن كتابه «نيتشه» الذي يعد أبرز دراسة فلسفية عن نيتشه وطبع في مجلدين، ودراسته أيضاً في المقارنة بين مذهبي هيغل وشلنغ، بالإضافة إلى محاضرات في مناقشة مفاهيم وفلسفات كانت تشغله وضمن حيز التدريس، أما أعماله الكاملة التي بدأت في الظهور عام 1975 فزادت على مائة مجلد.

كانت مهمة هيدغر أن يغير من أساليب البحث الفلسفي حول «الوجود» ومشكلاته، فتجاوز الدرس التقليدي، وتجاوز أستاذه إدموند هوسرل الذي نفى أن تكون فلسفته يمكن أن تولد نزعة وجودية. تجاوز طريقة البحث التي تقوم على القبض على الوجود المطلق ومن ثم يجري تحديد الموجودات الأخرى.

مثلاً؛ الأستاذ مطاع صفدي في دراسة له عن «الكينونة المنسية» ضمن كتابه «استراتيجية التسمية» يشرح أن «هيدغر انطلق أولاً من تحديد معنى الوجود الإنساني، وتحليل صيغه، بصورة لم يسبق أن عرفت الفلسفة»، عادّاً تحليل وجود الإنسان هو الوسيلة الوحيدة، والحقيقية، التي يمكنها أن تطلعنا على حقيقة الوجود المطلق. غاية الفلسفة في كتابه «الكينونة والزمان» أن تحدد مشكلة الوجود والكينونة الشاملة.

إنه لمن المهم التركيز على مشروعٍ أساسيّ صدر قبل أيامٍ للأستاذ خالد الغنامي بعنوان «قاموس هيدغر»، وهو نتاج جهدٍ حثيث استمرّ لسنواتٍ وأحسبُ أنه من أفضل ما كتب عن جوهر فلسفة هيدغر ومفاهيمها المعقّدة.

عرَض محتوى الكتاب الأستاذ عماد الدين موسى في مجلة «المجلة»، ومن ضمن قوله إن «المؤلف يدرك أن فكر هايدغر يقاوم الاختزال، وأن أي محاولة لتحويله إلى تعريفات قاطعة تفرغه من توتره الخلاق، لذلك يقدم القاموس بوصفه فعل تأويل مستمراً، يصبح كل مدخل فيه فرصة لإعادة التفكير في المفهوم، وفي سياقه الوجودي، وفي تحولاته داخل مشروع هايدغر. يقول في أحد المقاطع التي تحدد أفق الكتاب: (هذا القاموس ليس شرحاً نهائياً، بل دعوة للقراءة المتعمقة والمستمرة، لأن فكر هايدغر لا يتجلى في تعريفات ثابتة، بل في حركة فهم وتأويل لا تنتهي، حيث يكون كل تأويل وجهاً آخر للفهم، وكل فهم خطوة في طريق الكشف)».

الخلاصة؛ أن كتاب «قاموس هيدغر» الذي ألفه الغنامي يأتي في سياق ترتيب وشرح المفاهيم التي طرحها الفيلسوف للقارئ العربي، لقد كانت مهمة هيدغر أن يغير من أساليب البحث الفلسفي حول «الوجود» ومشكلاته، إذ تجاوز الدرس التقليدي، وتجاوز حتى أستاذه إدموند هوسرل الذي نفى أن تكون فلسفته يمكن أن تولد نزعة وجودية. نعم لقد تجاوز طريقة البحث التي تقوم على القبض على الوجود المطلق ومن ثم يجري تحديد الموجودات الأخرى.

إن كتاب «قاموس هيدغر» مرجعٌ ثري لفهم الخريطة الأساسية التي انطلق منها هيدغر، وما كان فيلسوفاً عادياً بل أثار الجدل المحتدم، وأيقظ الفلاسفة من سباتهم، وآية ذلك أن مفاهيمه وإشكالاتِه النظرية لا تزال تطرح وتُناقش حتى اليوم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt