توقيت القاهرة المحلي 14:32:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

  مصر اليوم -

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم يكن الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر من عرض الأسماء العابرة؛ وإنمّا نحت اسمه في تاريخ الفلسفة، ما عاد استنطاق المفاهيم الفلسفية ليتمّ لولا المغامرة المفهومية والتأمليّة التي بوّبها على طريقته ضمن قنطرةٍ هي بين الوجودية والظاهراتية.

لقد أثار الجدل الفلسفي من جهةٍ، ومن جهة أخرى وشوش على مناوئيه سياسياً حيث اتُّهم بـ:«النازية» في آخر سنينه.

ألقى موقفه من «النازية» ظلالاً كثيفة على اسمه، مما حدا بفيلسوف زميل وصديق له في تقييم كتبه في جامعة فرايبورغ في نهاية عام 1945 إلى أن يكتب عنه لـ«لجنة التطهير السياسي» وجاء فيه: «عقلية هيدغر في ماهيتها غير حرة تماماً، بل ديكتاتورية وغير تواصلية».

كانت شخصية هيدغر مكثّفة بين طلابه، وكانت حياته هي فلسفته، غير أن الأهم موضوع فلسفته وجوهرها. ربما كان كتابه «الكينونة والزمان» الصادر لأول مرة عام 1927 من بين أهم كتبه، بالإضافة إلى شروحاته ومحاضراته، من بينها كتابه عن «الشيء في ذاته» متداخلاً مع مقولة كانط، هذا فضلاً عن كتابه «نيتشه» الذي يعد أبرز دراسة فلسفية عن نيتشه وطبع في مجلدين، ودراسته أيضاً في المقارنة بين مذهبي هيغل وشلنغ، بالإضافة إلى محاضرات في مناقشة مفاهيم وفلسفات كانت تشغله وضمن حيز التدريس، أما أعماله الكاملة التي بدأت في الظهور عام 1975 فزادت على مائة مجلد.

كانت مهمة هيدغر أن يغير من أساليب البحث الفلسفي حول «الوجود» ومشكلاته، فتجاوز الدرس التقليدي، وتجاوز أستاذه إدموند هوسرل الذي نفى أن تكون فلسفته يمكن أن تولد نزعة وجودية. تجاوز طريقة البحث التي تقوم على القبض على الوجود المطلق ومن ثم يجري تحديد الموجودات الأخرى.

مثلاً؛ الأستاذ مطاع صفدي في دراسة له عن «الكينونة المنسية» ضمن كتابه «استراتيجية التسمية» يشرح أن «هيدغر انطلق أولاً من تحديد معنى الوجود الإنساني، وتحليل صيغه، بصورة لم يسبق أن عرفت الفلسفة»، عادّاً تحليل وجود الإنسان هو الوسيلة الوحيدة، والحقيقية، التي يمكنها أن تطلعنا على حقيقة الوجود المطلق. غاية الفلسفة في كتابه «الكينونة والزمان» أن تحدد مشكلة الوجود والكينونة الشاملة.

إنه لمن المهم التركيز على مشروعٍ أساسيّ صدر قبل أيامٍ للأستاذ خالد الغنامي بعنوان «قاموس هيدغر»، وهو نتاج جهدٍ حثيث استمرّ لسنواتٍ وأحسبُ أنه من أفضل ما كتب عن جوهر فلسفة هيدغر ومفاهيمها المعقّدة.

عرَض محتوى الكتاب الأستاذ عماد الدين موسى في مجلة «المجلة»، ومن ضمن قوله إن «المؤلف يدرك أن فكر هايدغر يقاوم الاختزال، وأن أي محاولة لتحويله إلى تعريفات قاطعة تفرغه من توتره الخلاق، لذلك يقدم القاموس بوصفه فعل تأويل مستمراً، يصبح كل مدخل فيه فرصة لإعادة التفكير في المفهوم، وفي سياقه الوجودي، وفي تحولاته داخل مشروع هايدغر. يقول في أحد المقاطع التي تحدد أفق الكتاب: (هذا القاموس ليس شرحاً نهائياً، بل دعوة للقراءة المتعمقة والمستمرة، لأن فكر هايدغر لا يتجلى في تعريفات ثابتة، بل في حركة فهم وتأويل لا تنتهي، حيث يكون كل تأويل وجهاً آخر للفهم، وكل فهم خطوة في طريق الكشف)».

الخلاصة؛ أن كتاب «قاموس هيدغر» الذي ألفه الغنامي يأتي في سياق ترتيب وشرح المفاهيم التي طرحها الفيلسوف للقارئ العربي، لقد كانت مهمة هيدغر أن يغير من أساليب البحث الفلسفي حول «الوجود» ومشكلاته، إذ تجاوز الدرس التقليدي، وتجاوز حتى أستاذه إدموند هوسرل الذي نفى أن تكون فلسفته يمكن أن تولد نزعة وجودية. نعم لقد تجاوز طريقة البحث التي تقوم على القبض على الوجود المطلق ومن ثم يجري تحديد الموجودات الأخرى.

إن كتاب «قاموس هيدغر» مرجعٌ ثري لفهم الخريطة الأساسية التي انطلق منها هيدغر، وما كان فيلسوفاً عادياً بل أثار الجدل المحتدم، وأيقظ الفلاسفة من سباتهم، وآية ذلك أن مفاهيمه وإشكالاتِه النظرية لا تزال تطرح وتُناقش حتى اليوم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

GMT 11:18 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

معمعة إبستين والأحداث الجارية

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt