توقيت القاهرة المحلي 00:06:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نظرية ماكس فيبر... وأسباب تفوّق الملَكية

  مصر اليوم -

نظرية ماكس فيبر وأسباب تفوّق الملَكية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يسود الحديثُ الآن عن سبب تماسك الدول الملَكيّة مقارنةً بسواها من الدول التي تنامَى خطابُها منذ قرن ضمن لغة الانتخابات والبرلمانات وتقديس الديمقراطية.

والواقع أنَّنا لو عدنا لنظرية الفيلسوف ماكس فيبر لعثرنا على نظريةٍ متماسكة وقويّة أساسها تمييز التجربة الغربية عن أي نمطٍ ديمقراطي آخر؛ إنَّ فيبر وبحكمةٍ وعقلانيةٍ يرى أنَّ تجربة الدول الأوروبية من الصعب تكرارها في مناطق أخرى. لقد خصّص مساحةً من كتاباته ومحاضراته لتقييم نموذج «الصين» إذ قدّر استحالة نجاح الصين في احتذاء وتقليد التجربة الأوروبية.

ماكس فيبر في كتابه «مقالات في علم الاجتماع السياسي» الذي حرَّره ريتشارد سويدبرغ، وترجمتْه ابتسام خضرا، كتبَ مجموعة من النقاط حول هذا الموضع يمكن اختصارها في الآتي:

أولاً- «أنَّ الدولة، من حيث كونها دولة عقلانية، لم توجد إلا في العالم الغربي. ففي نظام الحكم القديم في الصين كانت هناك شريحة صغيرة تسمى الماندرين (كبار الموظفين)، وكانت تتربع فوق سلطة كاملة للعشائر والطوائف الحرفية التجارية والصناعية. وكان الماندرين أساساً مثقفين بالعلوم الإنسانية وأصحاب إقطاعات حكومية، لكنَّهم لم يكونوا مدربين على الإدارة ولو بدرجة قليلة؛ لم يكن للواحد منهم معرفة جيدة بعلم القانون، لكنَّه كاتب جيد، ويمكنه قرض الشعر، ويعرف الآداب الصينية القديمة ويمكنه شرحها».

ثانياً- «أنَّ الموظف وفي السلك السياسي لا أهمية له. ولا يباشر هذا الموظف أي عمل إداري بنفسه؛ فالإدارة تقع بالأحرى على عاتق موظفي المجلس. وكان الواحد من الماندرين يُنقل بشكل دائم من مكان إلى آخر لمنعه من الاحتفاظ بموطئ قدم في ولايته الإدارية، ولا يمكن أبداً تعيينه في الولاية التي يتحدَّر منها، إذ لأنه لا يفهم لهجة الولاية، فليس بإمكانه التواصل مع العامة».

ثالثاً- «أن الدولة التي فيها أمثال أولئك الموظفين دولة تختلف عن الدولة الغربية. الحقيقة أن كل شيء يعتمد على النظرية السحرية بأن استقامة الإمبراطور وشمائل الموظفين، أي كمالهم في الثقافة الأدبية، من شأنها أن تُبقي الأمور منظمة في الأيام العادية. فإذا حدث قحط أو أي حدث سيئ، يصدُر مرسوم يشدد على تكثيف اختبارات قرض الشعر، أو تسريع المحاكمات القانونية لتهدئة الأرواح. ولأن الإمبراطورية الصينية دولة زراعية فقد استمرت سلطة عشائر الفلاحين فيها من دون انقطاع، وهم يمثلون تسعة أعشار الحياة الاقتصادية؛ أما العُشر الأخير فيخص منظمات الطوائف الحرفية التجارية. وكانت الأمور بصورة أساسية تُترك لتهتم بنفسها؛ فالموظفون لا يحكمون، لكنهم يتدخلون فقط عند حصول القلاقل أو الحوادث المشؤومة».

رابعاً- يرى فيبر أن «الدولة العقلانية تختلف اختلافاً كبيراً، ففيها وحدها يمكن أن تزدهر الرأسمالية الحديثة، حيث يتمثل قوامها في طبقة خبيرة من الموظفين والقوانين العقلانية. وقد تحولت الدولة الصينية إلى أسلوب الإدارة بالموظفين المدرَّبين، بدلاً من المثقفين بالعلوم الإنسانية، في القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين، لكنَّ هذا التحول لم يدم طويلاً؛ إذ وقع خسوف القمر المعتاد، واتخذت التغيرات اتجاهاً معاكساً».

خامساً- يقول فيبر، وأختصر فكرته هنا: «إنه ليس بوسعنا أن نؤكد بصورة جازمة أن روح الشعب الصيني لم تستطع احتمال إدارة الاختصاصيين. مع ذلك، لا يمكن الجزم بجدية أن روح الشعب الصيني لم تتمكن من تحمُّل إدارة من المتخصصين. فتطورها، وتطور الدولة العقلانية، كان مُلْجَماً بدوام الاعتماد على السحر».

الخلاصة أن هذه النظريّة تؤكّد معنىً مهماً؛ أن النموذج الغربي في الحكم لا يمكن تعميمه بالقوّة. إن الحالة الأوروبية لها تاريخها الخاص، كما أن للنموذج الصيني تاريخه ومعاناته المعروفة، وعليه فإن تقديس الديمقراطية الذي ساد في الإقليم وفي العالم الإسلامي عبر التثوير والخطابة والشعارات، آل بمجتمعات تلك الدول إلى ما نراه من مآسٍ وكوارث. الأساس برأيي أن الملَكيّات هي نتاج طبيعي للتجربة التاريخية والمجتمعيّة وتثبيت للأصل السياسي.

لقد أثبتت الملكيات نجاحها وثباتها. مرّ زمنٌ طويل من الاستهتار بهذا المفهوم للحكم عبر خطب الانقلابيين والأصوليين، ولكن التاريخ لا يرحم.

كان هيغل يؤكد أثر حركة التاريخ في تشكيل الواقع، ولكن في الوقت نفسه يحذّر من «مكر التاريخ». إنَّ الدول التي قدّست الديمقراطية لم تستطع بناء دولة تنموية حيوية متماسكة، وهذا هو الذي تعبنا ونحن نشرحه لبعض المثقفين العرب الغارقين في الشعارات والأوهام، وهذا هو ما لم يفهمه مقدّسو الديمقراطية الشعبويون.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نظرية ماكس فيبر وأسباب تفوّق الملَكية نظرية ماكس فيبر وأسباب تفوّق الملَكية



GMT 09:30 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

ترمب يؤنب

GMT 09:25 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

زوبعة العناني.. بلا طعم ولا لون ولا هدف!

GMT 09:23 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

«برشامة» وأخبار الحمقى

GMT 09:21 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

ليس لنا إلا أنفسنا... مرة أخرى

GMT 09:18 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

عين الحقيقة... ومَخرز حزيران

GMT 09:16 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

رحيل موران... قرنٌ من الفلسفة والحكمة

GMT 09:13 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

معركة لبنان الداخلية

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

عالِم اجتماع حقيقي

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - تركي آل الشيخ يطرح البرومو الرسمي لمسرحية «ليلة عسل»

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

نتنياهو أي تحرك عسكري ضد إيران مرهون بقرار ترامب
  مصر اليوم - نتنياهو أي تحرك عسكري ضد إيران مرهون بقرار ترامب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 08:03 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 18:19 2024 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

انتقال محمد مغربي من الأهلي إلى الاتحاد السكندري

GMT 16:45 2019 الخميس ,04 إبريل / نيسان

أبرز الأحداث اليوميّة عن شهر أيار/مايو 2018:
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt