توقيت القاهرة المحلي 15:11:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا على المحك

  مصر اليوم -

أوروبا على المحك

بقلم:د. آمال موسى

يمكن القول بما لا يدع أي مجال للمبالغة إن أوروبا تعيش أزمة تموقع دولي، إضافة إلى الصعوبات التي تعيشها في الداخل، فما يجري داخلها قد انعكس بدوره سلباً على كلمة أوروبا في التوازنات الدولية. ويبدو أنه لا موقع لها على الخريطة الدولية الجديدة التي بصدد التشكُّل من أجل نظام دولي جديد.

طبعاً تأزُّم أوروبا ليس جديداً؛ إذ منذ سنوات انطلق التراجع الذي كشفت عنه أرقام البطالة وتراجع مستوى المعيشة. وباختصار، فإن صعود الأحزاب اليمينية، التي لم تستطع تحقيقه منذ عقود، هو في حد ذاته دليل على أنه ينتعش من ضعف أوروبا الراهن، وتحديداً فرنسا وألمانيا وإيطاليا.

الجديد الذي عمّق تأزُّم أوروبا وجعله ظاهراً للعالم وأكثر قوة، هو دور الولايات المتحدة الأميركية في تهميشها. وهو تهميش من نتاج الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يرى في المواقف الأوروبية عقبة أمام مصالح بلاده. وإضافة إلى الخصومة الأميركية - الأوروبية في قضايا عدّة، فلا بد من الإشارة إلى التقارب الأميركي - الروسي الذي سيعمق الهزال الأوروبي دولياً، خصوصاً في المواقف من الحرب الروسية - الأوكرانية.

مؤشرات عدّة تدل على أن أوروبا أيضاً ستكون من ضحايا ترمب الذي يجيد الانقضاض على الخصوم، الذين يمرون بوعكة. لنقل إن لديه حاسة سادسة لا ترحم من يَدُبّ في جسده وهن. ومن هذه المؤشرات ما ورد على لسان نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، خلال فعاليات مؤتمر «ميونيخ للأمن 2025»، الذي عكس عمق التوتر واختلاف الرؤى الناتج أساساً عن تضارب المصالح... إضافة إلى انتقاده الديمقراطيات الأوروبية بشأن حرية التعبير، وعدم سيطرتها على الهجرة غير النظامية، حين قال بالحرف الواحد: «التهديد الذي يقلقني أكثر من أي شيء آخر بشأن بأوروبا ليس روسيا، ولا الصين، ولا أي طرف آخر... ما يقلقني هو التهديد من الداخل». وهنا من المهم التنبه إلى ترحيب الإدارة الأميركية الجديدة بصعود اليمين المتطرف في بلدان أوروبا، وميل هذه الإدارة إلى بلدان أوروبا الشرقية في سياساتها تجاه ملف الهجرة، واختلافها في المقاربات مع دول أوروبا ذات الصف الأول. من ضمن ذلك تهديد ترمب بسحب آلاف من جنوده من ألمانيا لفائدة أوروبا الشرقية. وكي يضايق أوروبا اقتصادياً ويرفع من علوّ الحائط معها، فرض تعريفات جمركية على الواردات الأميركية من أوروبا.

طبعاً مجالات التضارب في المصالح والمواقف واضحة في قضايا عدة؛ على رأسها الصراع الروسي - الأوكراني الذي يجسّد الخلاف المركزي بين الدول الأوروبية من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخرى، فقد أبدت الدول الأوروبية تحفظها على خطة السلام الأميركية في أوكرانيا.

وأول ما يمكن استنتاجه هو أن التقارب الروسي - الأميركي، الذي يتميز ببراغماتية ومصلحية، كما هو شأن السياسة، سيكون في وجه من وجوهه الرئيسية على حساب أوروبا. وهذا التقارب خطير جداً بالنسبة إلى أوروبا، فقد بدأت تداعياته في التهديد بتصدع «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» وكل ما فعلَته ودفعَته وصرحَت به أوروبا لمناصرة أوكرانيا أصبح على المحك؛ لأن الوعود الأوروبية تجاه أوكرانيا مهددة بعدم الإيفاء بها بفعل اختلال موازين القوى ودور التقارب الروسي - الأميركي في تأكيد ضعف أوروبا في حماية مصالحها وتعهداتها تجاه أوكرانيا ونفسها.

إلى جانب الخلاف في الملف الروسي - الأوكراني، نذكر ملف غزة والموقف الأوروبي من خطة ترمب الداعية إلى تهجير الفلسطينيين، فقد أبدت أوروبا رفضاً لها، وورد في بيان فرنسي - ألماني - إيطالي - بريطاني مؤخراً ما يفيد بتأييد الخطة العربية لإعمار غزة. مع التوضيح أن الخلاف الرئيسي هو مناصرة أوروبا أوكرانيا.

الغالب على تصريحات الإدارة الأميركية أن أوروبا ليست طرفاً في النظام العالمي الجديد، فتشكُّله يصطدم من حيث التحالفات والحلول مع مصالح أوروبية... وأن اعتبار حماية المصالح الأميركية غير مضمون. ناهيك بأن وضع أوروبا في الحالتين ضعيف، فهي إن حاولت التمسك بمواقفها، فلن تستطيع الذهاب بعيداً في ظل التقارب الأميركي - الروسي والتعنت الروسي في الملف الأوكراني. وإذا رضخت لموازين القوى فإنها تكون قد رسمت لنفسها موقع التابع لهيمنة الولايات المتحدة، وهو موقع لا يجعل منها طرفاً.

أوروبا في تراجع بالداخل والخارج، وسيزداد تراجعها من منطلق أن وراء التقارب الروسي - الأميركي مصالح تتعلق بمستقبل الطاقة والغاز الطبيعي وغيرهما، أي إن الصراع حيوي جداً، وتضرر أوروبا منه لن يكون قليلاً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا على المحك أوروبا على المحك



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt