توقيت القاهرة المحلي 21:56:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العالم في «كولوسيوم» روماني

  مصر اليوم -

العالم في «كولوسيوم» روماني

بقلم : عبد الرحمن شلقم

القتل متعة والدم أهازيج يصفق له آلاف المتفرجين. القوة لا يراها المحكومون إلا في حلقات الصراع العنيف. هناك تتوالد الآهات التي تزخرفها ضربات التصفيق والصراخ والدموع. التاريخ مدرج يعجُّ بخزائن تبدع كلامها في زوايا الشعور واللاشعور. الغابرون من الملايين الذين عاشوا في أزمان مضت جسَّدوا ما كان في أيامهم بالحجارة والحديد في أبراج عالية وأهرامات ضخمة، وكتبوا بصور حفروها في صخور الجبال. الكلام والكتابة والحركة، خطوات فوق أديم الحياة التي لا تغفو. لكن الدم المسفوح فوق خريطة الزمن له لون واحد لا تغيره رياح الوجود.

روما التي وهبت اسمها لإحدى أكبر الإمبراطوريات في التاريخ، وامتدت سيطرتها من سوريا في الشرق إلى إنجلترا في الغرب، الإمبراطورية الرومانية، أبدعت أدوات قوتها وسيطرتها في داخل عاصمتها روما، وعلى امتداد أرض الإمبراطورية الواسعة. سدَّة الحكم حلبة مصارعة بين الأباطرة وأعضاء مجلس الشيوخ. في رأس كل إمبراطور، مدرَّج من حلقات العظمة والسيطرة، وأحلام الخلود. كرسي الحكم يعلو جميع الكراسي، مطعّم بالذهب وكل ما حوله تزينه نقوش يبدعها فنانون كبار. قبل أن ينكب الإمبراطور على ما يدور في مملكته المترامية الأطراف، يبدأ في النقاش مع أعوانه عن التمثال الذي سيشيد له. هل سيكون من النحاس أم البرونز أم الرخام، وكم سيكون حجمه وارتفاعه، وأين سينصب؟ القوة هي الأصابع التي يقبض بها الإمبراطور، على عنق البشر الذين يفوق عددهم المائة مليون، والأرض الأوسع فوق سطح الدنيا.

الثورات لا تهدأ إلا لكي تشتعل في مناكب أرض الإمبراطورية الواسعة. العسف والجوع والمرض وارتفاع الضرائب، ألقت بحطب النار على أرض الإمبراطورية. الجيوش الرومانية التي تضم الآلاف من المجندين، تضرب بالسيوف والرماح حشود الثوار في أوروبا وشمال أفريقيا وآسيا. القوة التي لا ترحم هي الصمغ الأسطوري، الذي يضمن وحدة الإمبراطورية وسيطرة روما.

لكل قوة سيطرة في التاريخ أدواتها وتجلياتها المتنوعة، يراها الناس ويسمعونها أحياناً من بعيد وأخرى من قريب. عظمة السيطرة يعبر عنها عنف السلاح ودفق الدماء وأكوام القتلى، وضخامة وفخامة المعمار أيضاً.

في بداية القرن الأول الميلادي كانت الإمبراطورية الرومانية سيدة الدنيا، والكيان الأقوى على وجه الأرض. ساد في عاصمتها روما صراع مزمن على الكرسي الأعلى. تداول عليه أقوياء وضعفاء وحكماء ومجانين. الإمبراطوران كاليغولا ونيرون، حفرا اسميهما وفترة حكمهما على مسلَّة التاريخ الروماني، بمسمارين من الجنون والدم. الأول كاليغولا أعلن نفسه إلهاً، وصار رمزاً للاستبداد والجنون، وانتهى مقتولاً في داخل قصره، والآخر نيرون قتل أمه وزوجته، وأستاذه الحكيم سينكا، وأحرق روما ومات منتحراً. الاستبداد ابن الجنون، ووباء القوة المطلقة، ينسج إهاب العظمة التي تبدع خناجر النهايات الدموية.

في قلب مدينة روما يرتفع واحد من أكبر وأشهر المباني الأثرية التاريخية. مدرّج الكولوسيوم العظيم. بُني في سنة 80 ميلادية، محيطه الخارجي 530 متراً، وارتفاعه 50 متراً، ويتسع لأكثر من 50 متفرجاً. تُقام فيه عروض للمصارعة. هذا المدرج الروماني يجسّد زمناً إنسانياً لا يرحل، وحالة بشرية لا تغادر العقول والسلوك.

بنو البشر يبنون صرحاً للقتل العنيف. رجال ونساء وحيوانات شرسة، يدخلون من أبواب محددة، إلى صرح الكولوسيوم الواسع الشاهق، لتدور معارك من نوع غير مسبوق. سجناء وعبيد يحملون سيوفاً وخناجرَ وشباكاً ورماحاً، يواجهون بعضهم في منازلات، تنتهي بقاتل وقتيل. أسود ونمور وتماسيح تجلب من أفريقيا ليصارعها العبيد والأسرى والمحكوم عليهم بالإعدام على أرض المدرج الرهيب. يجلس الإمبراطور وإلى جانبه الإمبراطورة، وحوله أعضاء مجلس الشيوخ، وبقية فئات الشعب يجلسون على المدرّج وفقاً لمراتبهم الاجتماعية والطبقية. تبدأ المواجهات العنيفة بين المتصارعين، بعضها يطول وأحياناً تكون النهايات سريعة. الصراخ والتصفيق وقوفاً وجلوساً، تشجيعاً لمصارع يواجه أسداً أو نمراً، وآخر يلقي شبكته على غريم عملاق يطوف حوله. عيون حكم المصارعة لا تبتعد عن الإمبراطور الجالس على كرسيه العالي، بحركة من إبهامه يصدر حكماً نهائياً على إحدى المواجهات، يأمر بالعفو عن أحد أو يعطي الإشارة بالإجهاز النهائي عليه.

اليوم ونحن نشاهد النقل الحي على شاشات التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مهرجانات القتل والدماء والدمار، في بقاع مختلفة من العالم، قصف بالطيران والمدافع والصواريخ والطائرات المسيرة. نرى أجساد النساء والأطفال والعجائز، مقطعة تحت أكوام المباني المدمرة. قنوات مرئية تصفق وتهلل وتبارك، لمن يرونهم منتصرين، وأخرى تذرف دموع الألم والحزن. زعماء يرفعون صوت التهديد والوعيد، وآخرون يفاوضون ويراوغون. يصبح المشهد العالمي من أدناه إلى أقصاه، مدرَّج كولوسيوم روماني حياً، حيث القتل والدم والصراخ، محفل للهو واللغو. لكن غالبية الجمهور لا تعلم أن من الكولوسيوم الروماني ولد قائد الثوار سبارتكوس ضد الإمبراطورية، الذي لم يكن من بين المصارعين في المدرّج، لكن الأسطورة حولته إلى المصارع الذي صرع جنون الظلم الروماني الدموي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم في «كولوسيوم» روماني العالم في «كولوسيوم» روماني



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt