توقيت القاهرة المحلي 06:50:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

محمد بن عيسى... حشدٌ من الرجال والعقول

  مصر اليوم -

محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول

بقلم : عبد الرحمن شلقم

في السادس والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي اجتمع في مدينة أصيلة المغربية حشد من الوزراء والسفراء والدبلوماسيين السابقين، والعشرات من المفكرين والمثقفين والأدباء من مختلف بلدان العالم في منتدى استمر أسبوعاً، في فعالية فكرية عالمية، لتوديع أيقونة سياسية وثقافية محمد بن عيسى الوزير والسفير والمفكر المغربي. جمعتنا معاً سنوات طويلة كانت طوفان زمن إقليمي وعربي وعالمي. كان الراحل مدرسة في الدبلوماسية والثقافة، وهذه حقيقة شهد له بها كل من عرفه وتعامل معه. العلاقات بين دولتينا (ليبيا والمغرب)، رافقها غبار الاختلاف لسنوات طويلة. كنا نلتقي في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، وفي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. مجموعة البوليساريو التي دخلت مبكراً في صراع مع المغرب؛ بهدف إقامة كيان مستقل في الصحراء الغربية، ولقيت دعماً من ليبيا. أدى ذلك إلى تسميم العلاقات بين البلدين. التقيت محمد بن عيسى في القاهرة عندما كنتُ وزيراً للخارجية الليبية. في بداية لقائنا لم يثر الراحل موضوع الخلاف السياسي بيننا، وبدأ حديثه باللغة الإيطالية التي يتقنها عن الوزير والسفير والمؤرخ الليبي خليفة التليسي، الذي عمل سفيراً لليبيا لدى المغرب زمن المملكة الليبية، وترجم أعمال الروائي الإيطالي، لويجي بيرانديلو، وألف القاموس الإيطالي - العربي. استمر الحديث عن العلاقات التاريخية بين ليبيا والمغرب، وفي الختام طلب مني نقل تحياته إلى العقيد معمر القذافي.

بعد عودتي إلى طرابلس قابلت العقيد معمر القذافي وقلت له إنني أريد زيارة المغرب. سألني ماذا ستفعل بها، أجبته بأنني أريد الحديث مع وزير خارجيتها محمد بن عيسى؛ فهو رجل سياسي مثقف ويحب ليبيا، ردَّ العقيد بكلمة «زين». وفعلاً تمت الزيارة، وكان الحديث خلالها أطول وأوسع، وبدأت مرحلة جديدة في العلاقات.

كان محمد بن عيسى عمدة لبلدة أصيلة التي تقع على المحيط الأطلسي لعقود طويلة، وجمع بين عمادته لها وهو عضو بمجلس النواب المغربي ووزير للثقافة، وعند توليه حقيبة الخارجية أسس فيها «منتدى أصيلة الثقافي» الذي تحول محفلاً فكرياً إنسانياً دولياً سنوياً، يشارك فيه سياسيون ومثقفون وأدباء من كل قارات العالم. تحولت أصيلة بفضل جهده وإبداعه، من قرية فقيرة مهجورة إلى معلم فريد يهفو إليه نخبة العرب وغيرهم؛ فهي مزدانة بحدائق تحمل كل واحدة منها اسم شاعر أو أديب أو فنان، وجداريات تزيّن شوارع أصيلة.

السياسي المثقف الفنان محمد بن عيسى، أسس وكتب ورسم مدينة أصيلة؛ لتكون هي هو، بما فيها من دفق إبداع وفن وثقافة وحرية.

في منتدى سبتمبر الماضي بأصيلة، تحدث المشاركون عن شخصية الراحل الموسوعي، وعما أنجزه على امتداد حياته الطويلة، التي تنقَّل فيها بين القارة الأفريقية ضمن بعثة الأمم المتحدة، وطالباً في جامعة القاهرة، وعاملاً بمنظمة الأغذية والزراعة بروما، وسفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة الأميركية. عرف الدنيا وعرفته، أتقن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية، أما اللغة العربية، فقد كان الراحل العاشق المتيم بها.

في لقاء التوديع الأخير بأصيلة تحدثتُ في كلمتي أمام حشد أصدقائه وزملائه ومحبيه، عن شيء أجزم أن الراحل العزيز ينفرد به، وهو الغوص في أعماق كل مكان حلَّ به. عندما يتحدث عن أفريقيا التي عمل بها سنوات، يفكك التكوين الاجتماعي، بما فيه من عادات وتقاليد متوارثة، والبنى الاقتصادية والحياة السياسية. لقد عشتُ في إيطاليا سنوات طويلة، وأكثر مما عاش بها هو، لكنه حين يتحدث عن «الكولوسيو» حلبة الموت الروماني بمدينة روما، يغرق في تحليل العنف الدموي، الذي يكشف عن ضعف المستبد المريض. مدينة القاهرة كانت الكتاب الذي يقرأه بتعمق ممتع بكل ما فيها من ماضٍ وحاضر إنساني، ومعمار خالد يراكم ما كان عبر العصور. القاهرة الفاطمية عشق كل ما فيها وحملها لوحات لا يعلوها غبار الزمن. الولايات المتحدة الأميركية التي مارس فيها العمل اليدوي بالمزارع وغيرها في شبابه، وعاد لها سفيراً بارزاً، وأقام بها علاقات واسعة مع نخبها السياسية والثقافية والفنية. لقد حمل الراحل محمد بن عيسى شيئاً من كل مكان عاش به، كما يحمل الطائر شيئاً من كل غصن حطَّ فوقه. في قريته أصيلة، التي حولها معلماً معمارياً وفكرياً فريداً، جسَّد ما اكتنزه من إبداع وفكر وفن من ترحاله الطويل، في ربوع الدنيا المختلفة. منقبةٌ فريدة وسمت شخصية محمد بن عيسى، كانت القدرة على امتلاك ذبذبات إنسانية قادرة على مد خيوط الصداقة والمودة والأخوة مع كل ما عرفه أو حتى التقى به في مناسبة عابرة. في الكتاب الذي نُشر بمناسبة وداعه وضم شهادات لعدد من السياسيين والدبلوماسيين والأدباء الذين عرفوه، كتبتُ مقالاً عنه بعنوان «برزخ الزمان الطويل»، كانت سطور مطلعها «الكتابة عن عزيز رحل عن الدنيا بعد عمر ازدحم فيه الزمان بالتحولات الإقليمية والدولية الكبيرة عملية تعجُّ بها الحروف والسطور، ولها حواس تتأوه وتنطق وتتحرك. السياسي الدبلوماسي والمفكر المثقف محمد بن عيسى، كان حشداً من الرجال والعقول، كان ومضات الصمت والكلام».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt