توقيت القاهرة المحلي 21:27:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رحاب أصيلة المتجددة

  مصر اليوم -

رحاب أصيلة المتجددة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

منارة الفكر العربي والإنساني، في مدينة أصيلة المغربية، لها ضوء تهفو إليه العقول العربية والأفريقية. منتدى دخل عامه الخامس والأربعين، وفي كل عام يزداد شباباً، وتلتقي فيه نخبة واسعة من السياسيين والمفكرين والمثقفين من كل الأقطار العربية. الأخ والزميل الوزير محمد بن عيسى، وزير الثقافة والخارجية المغربي الأسبق، جعل من مدينة أصيلة، مدينة للتاريخ وللجغرافيا والفكر والثقافة. هو عميدها على مدى أربعة عقود. تطل على دنيا الأندلس التي تنعشها موجات البحر الأبيض المتوسط، وعلى المحيط الأطلسي الهادر. غيَّرت السنون الكثير من مجريات الحياة في الكثير من بقاع الأرض، لكن المغرب أبدع خطاه نحو آفاق النهضة والنمو، بقوة العقل والحرية والحكمة والديمقراطية. «منتدى أصيلة» مَعلم فريد في هذا الزمن الذي هزّته الاضطرابات والصراع، منبر للفكر الحر، ومائدة يتحلق حولها المتفقون والمختلفون، من دون إشارات مرور. انطلقت نشاطات المنتدى لهذا العام في 21 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بمشاركة مفكرين وسياسيين عرب من دولة المغرب، والإمارات العربية المتحدة، وسوريا، والأردن، وليبيا ولبنان. محاور حلقات الندوة امتازت بالواقعية والموضوعية، وفي الوقت ذاته كان الاختلاف في وجهات النظر، يضيف الكثير إلى ما يُطرح، عبر النقاش. رحاب أصيلة الممتدة في الزمان والجغرافيا، يهبها المكان نسمات مودة، ونفحات صداقة، والحضور الفريد للمؤسس والراعي، الوزير العميد محمد بن عيسى، يرسم خريطة تجمع الأصدقاء والزملاء القدامى، حول مائدة الإجماع على ما يعيشه العرب على امتداد عالمه من تحديات وطموحات.

الإسلام السياسي في صعوده وانحساره. كان موضوع الجلسة الافتتاحية. شارك فيها نخبة من السياسيين والمفكرين من ستة بلدان عربية. جرى استعراض ما شهدته بعض الدول من صعود أو هبوط للأحزاب الإسلامية. تجربة المغرب والأردن ومصر، شكَّلت محوراً أضفى على الجلسة كثافة وعمقاً وصراحة علمية، شخّصت الواقع السياسي ومحركاته، والقراءة التي طافت في الحقب التاريخية، والفقه والتفاسير والفهم، للظاهرة السياسية الإسلامية. هذه الدول العربية الثلاث، عاشت تجارب حية مع الإسلام السياسي، عبر أحزاب إسلامية، وحكم عليها الواقع من خلال منتجاتها على أرض التجربة العملية.

«الحركات الدينية والحقل السياسي... أي مصير؟». هذا العنوان يحفّز الفكر لتوليد أسئلة تعبر الماضي في مختلف تجلياته، وصيرورة الفهم الذي تبنى عليه التنظيمات السياسية، ومنجزاتها في مسارات الحياة، ومدى استجابتها لإكراهات الواقع في التنمية والتطور وتحقيق الحرية والعدالة. العنف الذي رافق بعض التنظيمات الدينية، وقاد إلى الإرهاب وانعكاساته على السلم الاجتماعي، وصورة الإسلام والمسلمين في العالم. كانت المداخلات غنية؛ إذ شارك فيها مفكرون، لهم إسهاماتهم في الدراسات الأكاديمية الإسلامية، وسياسيون تقلَّدوا مناصب سياسية، وشخصيات ارتبطت بتنظيمات حزبية إسلامية. هذا الموسم الثقافي الخامس والأربعون لـ«منتدى أصيلة»، له خصوصية متميزة. أدخل إلى مشرحة الفكر قضية لها تأثيرها في مجتمعاتنا العربية. الدين الإسلامي له حضور متأصل وفاعل، ويشكّل حافزاً ودافعاً قوياً لتحقيق النهوض والتقدم. لكن الفهم والتفسير النفعي، لاستعمال الدين مطية للسلطة، والجنوح للعنف والإرهاب والتكفير، يحوّل الدين ثقلاً يدفع المجتمع إلى الانقسام والصدام والفتنة الطائفية المتعصبة باسم الدين، التي تشعل نار العداوة بين المسلمين، وتقطع حبل الاعتصام بين أبناء الأمة.

نرى اليوم الشعوب الأوروبية المنضوية في اتحادها الفيدرالي، الذي يضم الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك، يجتمعون في برلمان واحد، ولهم مصرف مركزي أوروبي، ويتمتع مواطنوهم بالحريات الأربع. شعوب تحاربت في معارك دامية، قُتل فيها الملايين، لكن العقل والعلم، طوى ما كان من عداوة. لم يعد للمذاهب والطائفية وجود بين البشر الذين خلعوا، رداء الجهل والتطرف والطائفية والاختلاف المذهبي. ما نراه ونسمعه اليوم، من استحضار لغبار الماضي السحيق، ليكون متفجرات تذكي نيران العداوة بين أبناء الشعب الواحد، تحت شعارات طائفية، ما أنزل الله بها من سلطان، إنما هي صوت للجهل بالدين.

«منتدى أصيلة» محفل للوعي، يدق نواقيس اليقظة، بقوة الحوار الموضوعي العلمي الصريح. المشاركون في دورة أصيلة الخريفية التي انتظمت في شهر أكتوبر الماضي، جمعوا بين العلم والعمل، وقدَّموا نموذجاً لفاعلية الاختلاف والاتفاق، بعيداً عن الانزياح لمذهب أو تنظيم حزبي أو مصلحة قُطرية.

هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم، يعجّ بمراكز البحوث، التي تفكك أمهات القضايا، وتعقد نخبها الندوات لدراسة ومناقشة القضايا التي تواجهها شعوبها، وتقترح الوصفات التي تحقق النهوض والتقدم.

نأمل أن تستمر أصيلة الأصيلة، ملتقى للعقول العربية من مشارقها ومغاربها، تغوص في قضايا الأمة، وما أكثرها، وأن تتجدد اللقاءات الفكرية في رحابها الأندلسية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحاب أصيلة المتجددة رحاب أصيلة المتجددة



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt