بقلم: عمرو الشوبكي
عادة ما تكون الاحتجاجات إما فئوية تهدف لتحقيق مطالب بعينها قد تقبلها أو ترفضها السلطات الحاكمة، أو تصل معها لحلول وسط، أو تكون سياسية تهدف لتغيير النظام القائم أو تعديل توجهاته أو الدفاع عن قيم إنسانية وقانونية مهدرة مثل ما شهدته عواصم العالم رفضًا لمجازر الحكومة الإسرائيلية فى غزة.
وقد شهدت فرنسا نمطًا من الاحتجاجات يمكن وصفها بـ«المركبة»، فبدأت مطلبية من أجل تحسين أحوال المدارس الحكومية وزيادة أعداد المدرسين وتسهيل إجراءات الانتقال إلى مرحلة التعليم الجامعى بصورة شفافة وأقل تعقيدًا، ثم انتقلت أو تداخلت معها المطالب السياسية، وطالبت بمواجهة التضخم ورفع الأجور وتحسين ظروف العمل، وشاركت فيها نقابات وأحزاب يسارية، وعلى رأسها حزب أقصى اليسار فرنسا الأبية، بجانب جماعات احتجاجية ثورية، وشهدت حوادث عنف غير مسبوقة فى مسار هذا النوع من الاحتجاجات.
والحقيقة أن تداخل المطلبى والسياسى فى كثير من الاحتجاجات الفرنسية، ومنها الأخيرة، جعل كثيرين ينسون المطالب الأساسية للمحتجين ويشتبكون أساسًا مع جوانبها السياسية، فقد تحدث الإعلام وتيارات اليمين عن مسؤولية أقصى اليسار عن توجيه وقيادة المظاهرات، أما حزب أقصى اليسار فحمّل الحكومة التى تجاهلت مطالب الطلاب مسؤولية ما جرى ودعم تحركاتهم ودافع عنها، وفى نفس الوقت طالبهم بعدم التورط فى أى أعمال عنف، كما حمّل أداء الشرطة مسؤولية العنف بعدم السماح بمسارات كافية للتظاهر واستسهال تفريق المتظاهرين بالقوة، مما أدى إلى اشتعال الموقف.
ويمكن القول إجمالًا إن توجهات كثير من الطلاب يسارية، وإن ما يقرب من نصفهم وفق استطلاع للرأى يؤيد حزب أقصى اليسار بزعامة «جان لوك ميلنشون»، والنصف الآخر موزع على باقى الأحزاب والقوى السياسية.
أما حزب اليمين المتطرف (التجمع الوطنى) فقد اعتبر ما جرى فرصة لتحميل ماكرون وحزبه وخطه السياسى مسؤولية ما جرى ووصفه بالعاجز، وحمّل حزب أقصى اليسار مسؤولية العنف، واعتبرت مارين لوبان زعيمة الحزب ما جرى فرصة لكى تركز هجومها على التيارين اللذين سيواجهانها فى انتخابات الرئاسة، أى يمين الوسط الحاكم وأقصى اليسار المعارض.
ومن هنا فإن الاحتجاجات الكبرى أو المركبة نادرًا ما تحقق أهدافها بـ«ضربة واحدة» أو بشكل فورى، خاصة لو جرت فى دولة قانون وديمقراطية مثل فرنسا، فهى تمثل جرس إنذار للجميع: للطبقة السياسية التى لم تعِ الدرس، والحكم الذى استجاب جزئيًا لمطالب الطلاب «الفئوية» بزيادة أعداد المدرسين، حيث اكتشفت فجأه أنها يمكن أن تعين فورًا 3 آلاف معلم للتدريس فى المدارس الثانوية، وهى التى ماطلت لسنوات فى تنفيذ هذا القرار حتى جاءت احتجاجات الطلاب وعجلت به.
ستؤثر احتجاجات فرنسا فى نتيجة انتخابات الرئاسة المقبلة، وإن عجز الحكومة عن تحقيق مطالب المحتجين سيصب فى صالح أقصى اليمين وأقصى اليسار، أما العنف فسيصب فى صالح مرشحة أقصى اليمين مارين لوبان.