توقيت القاهرة المحلي 08:58:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شجرة الثورة (1)

  مصر اليوم -

شجرة الثورة 1

عمار علي حسن

لم تدهسها الأقدام، لأن كل من فى الميدان كان حريصاً على أن يمر من جوارها بسلام، يمكن لساقه أن تداعب أوراقها بلطف، ويمكن أن يميل عليها ويشمها فى امتنان ورضاء، فتفوح فى أنفه بعطر أيام الغضب، عرق الحماس والتزاحم، ورائحة الجنة التى تنتظر الذين سقوها بدمهم عند حافة الأمسيات الملتهبة. أحدهم، الذى لا يعرفه أحد، غرسها يوم جمعة الغضب على الطرف الأيمن للكعكة الحجرية، وقال لمن تابعوه وهم يبتسمون: - إنها شجرة الثورة. نظروا إليه وقالوا: - مجرد فسيلة لشجرة زينة. فابتسم وقال: - لكنها هنا فى الميدان. هزوا رءوسهم مصدقين على كلامه، وقالوا لكل من سأل عليها، وهى تداعب الريح: - غرسناها بينما كان رصاص القناصة يمرق فوق رءوسنا. كثيرون يقولون إنهم شهدوا اللحظة التى حطت فيها أجنحتها فوق الطين، وفردت أقدامها تحته، وسحبت فى هدوء من النسائم التى هبت من فوق المتحف المصرى قادمة من النيل، الذى يَهِب الشجرة وأصحابها ماء عذبا. لم تسق الشجر بماء واحد، فبعض الذين جُرحوا فى المعارك الأمامية التى خاضها الثوار بأيديهم ضد الهراوات وقنابل الغاز والرصاص المطاطى، جاءوا وجلسوا جوارها وتركوا دماءهم تسيل إليها فرشفت منها. غادر الثوار الميدان عقب رحيل الطاغية، وظلوا فى بيوتهم صامتين خمسين يوما، ينتظرون شيئا أن يتم، لكن الذين وزعوا الكرسى الكبير على عجيزاتهم الضامرة أبقوا الأمر على حاله. وحين نزلوا مرة أخرى وجدوا الشجرة قد شبت نحو السماء قليلا، مدوا أيديهم وداعبوا أوراقها الصغيرة، ورأوها وهى تصنع لفائفها على جوانب ساقها النحيلة. وتوالى نزولهم، وتوالى تقدمها خطوات فى الهواء، حتى نزل الجيش ذات يوم وأخذ منهم الميدان، وقال الموالون له: - حررنا ميدان التحرير. وضعوا الجنود حول الكعكة الحجرية فى شهر الصيام، وتركوا الشمس تأكل أقفيتهم، كانوا يقفون كالألف بين الواحد وزميله نصف متر، وجاء الثوار من بعيد يرمقونهم، وقفوا على مداخل الميدان يرثون الأيام التى كانوا فيها هنا، بعضهم حاول أن يرى الشجرة من بين الأفخاذ المتتابعة. سأل أحدهم زميله: - أين الشجرة؟ فراح يميل برأسه يمينا ويسارا، ويمد عينيه ليخترق أجساد الجنود، ثم مد إصبعه ناحية اثنين منهم، وقال: - ها هى. انصرف الجنود بعد أيام، وبقيت هى، يسكب الثوار عند جذرها بعض ما معهم من ماء، فتبتسم، وتعلو حتى صارت شجيرة يافعة، لم يمهلوها وقتا طويلا حتى تصبح شجرة كاملة فيقطفوا ثمار ما زرعوا، استعجلوا وبدأ الحصاد، والحصاد كان تحويل الأغصان الطرية إلى جدران، تعلق عليها لافتات، حتى ازدانت جميع فروعها وأوراقها الخضراء بصفحات عما يريدون ويحلمون. كتبوا بخطوط مختلفة الأحجام والألوان مختصر تاريخ الثورة: «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية» «يا نجيب حقهم.. يا نموت زيهم» «يسقط حكم العسكر» «دا مفهومكم للعدالة.. ترموا الشهدا فى الزبالة؟» «اتنين ملهومش أمان.. العسكر والإخوان» «يسقط يسقط حكم المرشد» «متعبناش متعبناش.. ثورة كاملة وإما بلاش» «ثوار أحرار هنكمل المشوار» وإلى جانب الشعار الأخير، وضعوا صور بعض الشهداء، وتزاحمت الكلمات والصور، حتى لفت الشجرة من كل جوانبها، ومن أخمصها إلى ناصيتها، لا يظهر منها إلا قطعة من الساق عند الجذر، يراها القادمون من بعيد. أما من يقف بجانبها فيحتاج إلى أن يجلس ويميل رأسه حتى يراه، ويلزم أن ينام على ظهره، ويدفن رأسه تحت الأغصان المتهدلة إلى أسفل حتى يمسك به. أوراقها تنظر من أعلى، محاولة أن ترفرف بين اللافتات، لكنها لم تفقد أبداً نضرتها، ومداعبتها الدائمة للنسائم الطرية. (ونكمل غداً إن شاء الله تعالى) نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شجرة الثورة 1 شجرة الثورة 1



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt