توقيت القاهرة المحلي 10:18:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«داعش» ووهم الخلافة

  مصر اليوم -

«داعش» ووهم الخلافة

عمار علي حسن

على عكس ما تزعم «داعش» وكل من لف لفها، فإن «الخلافة» ليست أصلاً من أصول الإسلام، وإنما هي مسألة دنيوية وسياسية أكثر منها دينية، فالقرآن الكريم والحديث النبوى لم يوردا ما يبين، من قريب أو بعيد، كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه، وذلك لأن هذا التنظيم «اختراع بشرى» أو «اجتهاد» من قِبَل صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لجأوا إليه ليحافظوا على تماسك الجماعة المسلمة بعد وفاة النبى. بل إن القرآن الكريم قد خلا من أي إشارة إلى الخلافة، والسُّنة أيضا تخلو من حديث مباشر وواضح وقطعى عنها، والأصل في الخلافة عند المسلمين أن تكون راجعة إلى اختيار أهل الحل والعقد، والبيعة الاختيارية، أما المُلك فمن الطبيعى أن يقوم في كل أمة على الغلب والقهر. وقد هبطت الخلافة في تاريخ المسلمين إلى مُلك عضوض، يريد «الداعشيون» استعادته بدعوى أنه نظام الحكم الأمثل.

إن محمدا، صلى الله عليه وسلم، كان رسولا فحسب، فبالنسبة له الرسالة مقام، والمُلك مقام آخر. والخلافة ليست نظاما دينيا، وليست نيابة عن صاحب الشريعة، وإن ما قيل في هذا الاتجاه لم يكن سوى ترويج واضح لمسألة خاطئة بما يحقق مصلحة السلاطين. وهنا يرى «على عبدالرازق» في كتابه «الإسلام وأصول الحكم» أن «رسالة الإسلام لم تكن قط إقامة ملك إسلامى، بل إقامة نظام جديد سياسى اجتماعى، يقوم على الترابط والتآخى والإيثار واستبعاد سيطرة الإنسان على الإنسان، واستبدال سلطة الملك بسلطة الضمير.. ولا يكون الخليفة في هذه الحالة إلا رمزا للعدل، وضمانا للأخلاق» ثم يقول: «لقد أنشأ رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أمة، أي جماعة ترجع على أم واحدة، فهم إخوة، ولم يقم رسول الله دولة، لأن الدولة تحمل معنى السلطان والقوة والغلبة، وهذه كلها لله وحده، أما الذي لنا فهو أن نتآخى في الله، ويرعى بعضنا بعضا حبا في الله».

وفى كتابه «دستور أمة الإسلام: دراسة في أصول الحكم وطبيعته وغايته عند المسلمين»، ينتقد المؤرخ الكبير د. حسين مؤنس المفكرين السياسيين المسلمين- وكلهم فقهاءـ نظرا لأنهم في نظره افتقدوا إدراك حقيقة مهمة وهى أن السياسة شىء، والإسلام وعقيدته وشريعته شىء آخر، فالسياسة عند ابن خلدون قوانين سياسية مفروضة يسلم بها الكافة وينقادون إلى أحكامها، ثم يفرق بين السياسة العقلية المفروضة من أكابر الدولة وبصرائها، والسياسة الشرعية المفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها. وما سكت عنه ابن خلدون، ذكاء منه وحرصا، أفصح عنه ابن تيمية في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعى والرعية».وينتهى د. محمد حسين هيكل في كتابه «الحكومة الإسلامية» إلى أن الإسلام لم يحدد شكلا ثابتا للحكم، خلافة كانت أو ملكا أو سلطنة أو إمارة أو رئاسة أو غيرها، لكنه عُنى بإقرار مجموعة من المبادئ التي يفرض اعتمادها وتطبيقها، دون الالتفات إلى شكل الحكم السائد، وهى: «الإيمان الحق بالله تعالى، وبثبات سنته في الكون ثباتا ندركه بعقولنا الحرة وتفكيرنا المتصل، وأن نتعاون فيما بيننا على أن يحب أحدنا لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يؤدى الفرد واجبه لله وللجماعة، وأن تؤدى الجماعة واجبها لله وللأفراد جميعا».

لهذا يجب إعادة التفكير في مسألة ربط الإسلام كدين بقيام دولة تعبر عنه تعبيرا محددا، وتسهر على حراسته. فالإسلام انتشر في أفريقيا من دون دولة، إنما عبر جهود مشايخ الطرق الصوفية والتجار، ووصل إلى أصقاع في آسيا بالطريقة ذاتها، وأكبر دولة مسلمة في العالم وهى إندونيسيا لم تصلها خيول المسلمين الأوائل ولا خلافتهم مترامية الأطراف، والإسلام يتمدد الآن في أوروبا إلى درجة أن 63 شخصا يعلنون إسلامهم كل يوم، حسب إحصاء مكتب الهجرة الأوروبى في النمسا، من دون أن يكون هناك إطار سياسى أو سلطوى يساعد هذا التمدد أو يحرسه، بل إن تحول أغلبية أهل مصر وبلاد فارس لم يتم إلا بعد قرون طويلة. وبالتالى تسقط حجج من يربطون الإسلام بالدولة بدعوى دور الأخيرة في حراسة الدين، فقوة الدين في نفسه، وليست في القوة النظامية أو العسكرية أو السياسية التي تفرضه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«داعش» ووهم الخلافة «داعش» ووهم الخلافة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt